كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 202
ولما وصف سبحانه نفسه المقدس بالقدرة الكاملة ، دل على ذلك بما يشاهده كل أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه ، فقال مستأنفاً أو معللاً مستنتجاً : ( ما ) أي مهما ) يفتح الله ) أي الذي لا يكافئه شيء .
ولما كان كل شيء من الوجود لأجل الناس قال : ( للناس ( ولما كان الإنعام مقصوداً بالذات محبوباً ، وكانت رحمته سبحانه قد غلبت غضبه ، صرح به فقال مبيناً للشرط في موضع الحال من ضميره أي يفتحه كائناً : ( من رحمة ) أي من الأرزاق الحسية والمعنوية من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر دقت أو جلت فيرسلها ) فلا ممسك لها ) أي الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد في نفسه أنه إذا حصل له خير لا يعدم من يود أنه لم يحصل ، ولو قدر على إزالته لأزاله ، ولا يقدر على تأثير ما فيه .
ولما كان حبس النعمة مكروهاً لم يصرح به ، ترك الشرط على عمومه بعد أن فسر الشرط الأول بالرحمة دلالة على مزيد الاعتناء بها إيذاناً بأن رحمته سبقت غضبه فقال : ( وما يمسك ) أي من رحمة أو نعمة بإغلاق باب الخلق عنه ) فلا مرسل له ) أي الذي أمسكه بمثل البرهان الماضي في الرحمة .
ولما كان ربما ادعى فجوراً حال إمساك الرحمة أو النقمة أنه الممسك قال : ( من بعده ) أي بعد إمساكه ، فمن كان في يده شيء فليمسك ما أتى به الله حال إيجاده بأن يعدمه .
ولما كان هذا ظاهراً في العزة في أمر الناس والحكمة في تدبيرهم عمم فقال : ( وهو ) أي هو فاعل ذلك والحال أنه وحده ) العزيز ) أي القادر على الإمساك والأرسال الغالب لكل شيء ولا غالب له ) الحكيم ( الذي يفعل في كل من الإمساك والأرسال وغيرهما ما يقتضيه علمه به ويتقن ما أراد على قوانين الحكمة ، فلا يستطاع نفض شيء منه .
ولما بيّن بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده .
أمر بذكر نعمته بالاعتراف أنها منه ، فإن الذكر يقود إلى الشكر ، وهو قيد الموجود وصيد المعدوم المفقود ، فقال : ( يا أيها الناس ) أي الذين فيهم أهلية الاضطراب عامة ) اذكروا ( بالقلب واللسان ) نعمت الله ) أي الذي لا منعم في الحقيقة سواه ، ولما كانت نعمة عامة غامرة من كل جانب قال : ( عليكم ) أي في دفع من المحن ، وصنع ما صنع من المنن ، على ما تقدم في الفتح والإمساك لتشكروه ولا تكفروه ، والذي يخص أهل مكة بعد ما شاركوا به الناس - إسكانهم الحرم ، وحفظهم من جميع الأمم ، وتشريفهم باليبت ، وذلك موجب لأن يكونوا أشكر الناس .
ولما أمر بذكر نعمته ، أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته وحكمته ،

الصفحة 202