كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 208
لاكتساب العزة ، وكان الكفرة إنما عبدوا الأوثان ليعتزوا بها منا قال :
77 ( ) واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزّاً ( ) 7
[ مريم : 81 ] قال مستنتجاً من ذلك : ( من كان ) أي في وقت من الأوقات ) يريد العزة ) أي أن يكون محتاجاً إليه غيره وهو غني غالباً غير مغلوب ) فلله ) أي وحده ) العزة جميعاً ) أي فليطلبها منه ولا يطلبها من غيره ، وقد روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( إن ربكم يقول كل يوم : أنا العزيز فمن أرادة عزة الدارين فليطع العزيز ) ولما رغب في اقتناص العزة بعد أن خبر أنه لا شيء فيها لغيره ، دل على اختصاصه بها شمول علمه وقدرته ، وبين أنها إنما تنال بالحكمة فقال : ( إليه ) أي لا إلى غيره ) يصعد الكلم الطيب ) أي الجاري على قوانين الشرع عن نية حسنة وعقيدة صحيحة سواء كان سراً علناً لأنه عين الحكمة ، فيعز صاحبه ويثيبه .
ولما أعلى رتبة القول الحكيم ، بين أن الفعل أعلى منه لأنه المقصود بالذات ، والقول وسيلة إليه ، فقال دالاً على علوه بتغيير السياق : ( والعمل الصالح يرفعه ( هو سبحانه يتولى رفعه ولصاحبه عنده عز منيع ونعيم مقيم ، وعمله يفوز ، قال الرازي في اللوامع : العلم إنما يتم العمل كما قيل : العلم يهتف بالعمل ، فإن أجاب وإلا ارتحل - انتهى ، وقد قيل :
لا ترض من رجل حلاوة قوله حتى يصدق ما يقول فعال فإذا وزنت مقاله بفعاله فتوازنا فإخاء ذاك جمال
ولما بين ما يحصل العزة من الحكمة ، بين ما يكسب الذلة ويوجب النقمة من رديء الهمة فقال : ( والذين يمكرون ) أي يعملون على وجه الستر المكرات ) السيئات ) أي يسترون قصودهم بها ليوقهوها بغتة ) لهم عذاب شديد ( كما أرادوا بغيرهم ذلك ، ولا يصعد مكرهم إليه بنفسه ولا يرفعه هو ، لأنه ليس فيه أهلية ذلك لمنافاته الحكمة .
ولما كان ما ذكر من مكرهم موجباً لتعرف حاله هل أفادهم شيئاً ؟ أخبر أنه أهلكه بعزته ودمره بحكمته فقال : ( ومكر أولئك ) أي البعداء من الفلاح ) هو ) أي وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن الله ينفذه ويعلي أمره ويجعل له العاقبة تحقيقاً لقوله تعالى :
77 ( ) ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ( ) 7
[ الانفال : 30 ] كما أخرجكم

الصفحة 208