كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 215
ولما لم تكن نفس متأهلة للحمل تخلو من وزر تحمله ، والمعصوم من عصم الله ، قال : ( وازرة ( دون نفس ، أي لا تحمل حاملة من جهة الإثم ) وزر ) أي حمل وثقل ) أخرى ( لتعذب به ، بل كان واحد منكم له مما كسبت يداه ما ثقوم به عليه الحجة في الأخذ مباشرة وتسبباً مع تفاوتكم في الوزر ، ولا يحمل أحد إلا ما اقترفه هو ، لا تؤخذ نفس بذنب أخرى الذي يخصها كما تقعل جبابرة الدنيا .
ولما أثبت أنه لا يؤخذ إلا بوزر ، ونفى أن يحمل أحد وزر غيره ، وكان ربما أوهم أن ذلك خاص ببعض الأحوال أو الأشخاص ، وكان عظم الوزر يوجب عظم الأخذ ، نفى ذلك الإيهام ودل القدرة على المفاوتة بينهم في الأجر وإن كان أخذهم في آن واحد بقوله : ( وإن تدع ) أي نفس ) مثقلة ) أي بالذنوب سواء كانت كفراً أو غيره ، أحداً ) إلى حملها ) أي الخاص بها من الذنوب التي ليست على غيرها بمباشرة ولا تسبب ليخفف عنها العذاب بسبب خفته ) لا يحمل ) أي من حامل ما ) منه شيء ) أي لا طواعية ولا كرهاً .
بل لكل امرئ شأن يغنيه أصلاً وتسبباً ) ولو كان ( ذلك الداعي أو المدعو للحمل ) ذا قربى ( لمن دعاه ، وحاصل الأولى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره بل بذنب نفسه ، والثانية أنه لا يحط عن أحد ذنبه ليسلم .
ولما كان هذا أمراً - مع كونه جلياً - خالعاً للقلوب ، فكان بحيث يشتد تعجب السامع ممن يسمعه ولا يخشى ، فقال مزيلاً لهذا العجب على سبيل النتيجة : ( إنما تنذر ) أي إنذاراً يفيد الرجوع عن الغيّ ، فلاختصاصهم بالنفع كانوا كأنهم مختصون بالإنذار ، وهو كما قال القشيري : الإعلام بموضع المخافة .
) الذين يخشون ) أي يوقعون هذا الفعل في الحال يواظبون عليه في الاستقبال .
ولما كان أعقل الناس من خاف المحسن لان أقل عقابة قطع إحسانه قال : ( ربهم ( .
ولما كان أوفى الناس عقلاً وأعلاهم همة وأكرمهم عنصراً من كانت غيبته مثل حضوره ، وكان لا يحتاج - مع قول الداعي وما يظهر له من سمته وحسن قوله وفعله - إلى آية يظهرها ولا خارقة يبرزها ، وإنما إيمانه تصديقاً للداعي في إخباره بالأمر المغيب من غير كشف غطاء قال : ( بالغيب ) أي حال كونهم غائبين عما دعوا إليه وخوفوا به ، أو حال كونه غائباً عنهم أو غائبين عمن يمكن مراءاته ، فهم مخلصون في خشيتهم سواء بحيث لا يطلع إلا الله ، ولا نعلم أحداً وازى خديجة والصديق رضي الله عنهما في ذلك .
ولما كانت الصلاة جامعة لخضوع الظاهر والباطن ، فكانت أشرف العبادات ، وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص ،