كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 219
يفهم أن الرسالة حق ، وكلاًّ من المرسل والرسول محق ) بشيراً ) أي لمن أطاع ) ونذيراً ) أي لمن عصى ، والعطف بالواو للدلالة على العراقة في كل من الصفتين .
ولما كان مما يسهل القياد ويضعف الجماح التأسية ، قال مؤكداً دفعاً لاستبعاد الإرسال إلى جميع الأمم : ( وإن ) أي والحال أنه ما ) من أمة ( من الأمم الماضية ) إلا خلا فيها نذير ( أرسلناه إليهم بشيراً ونذيرا إما بنفسه وإما بما ابقى في أعقابهم من شرائعه من أقواله وأفعاله ورسومه مع ما لهم من العقول الشاهدة بذلك ، والنذارة دالة على البشارة ، واقتصر عليها لأنها هي التي تقع بها التسلية لما فيها من المشقة ، ولأن من الأنبياء الماضين عليهم السلام من تمحضت دعوته للنذارة لأنه لم ينتفع أحد ببشارته لعدم اتباع أحد منهم له .
ولما كان ( صلى الله عليه وسلم ) شديد الأسف على إبائهم رحمة لهم وخوفاً من أن يكون ذلك لتقصير في حاله ، وكان التقدير : فإن يصدقونك فهو حظهم في الدنيا والآخرة ، عطف عليه تأسية له وتسلية قوله : ( وإن يكذبونك فقد ) أي فتسل لأنه قد ) كذب الذين ( ولما كان المكذبون بعض الناس ، فلزم لذلك أن يكونوا في بعض الزمان ، دل على ذلك بالجار فقال : ( من قبلهم ) أي ما أتتهم به رسلهم عن الله .
ولما كان القبول الرسل لما جاءهم عن الله ونفى التقصير في الإبلاغ عنهم دالاً على علو شأنهم وسفول أمر المكذبين من الأمم ، وكل ذلك دالاًّ على تمام قدرة الله تعالى في المفارقة بين الخلق ، قال دالاً على أمري العلو والسفول استئنافاً جواباً لمن كأنه قال : هل كان تكذيبهم عناداً أو لنقص في البيان : ( جاءتهم ) أي الأمم الخالية ) رسلهم بالبينات ) أي الآيات الواضحات في الدلالة على صحة الرسالة .
ولما كان التصديق بالكتاب لازماً لكل من بلغه أمره ، وكانت نسبة التكذيب إلى جميع الأمم أمراً معجباً ، كان الأمر حرياً بالتأكيد لئلا يظن أنهم ما كذبوا إلا لعدم الكتاب ، فأكد بإعادة الجار فقال : ( وبالزبر ) أي الأمور المكتوبة من الصحف ونحوها من السنن والأسرار ) وبالكتاب ) أي جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل ) المنبر ) أي الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كان طريقك أوضح وأظهر ، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر .
ولما سلاه ، هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم فقال ، صارفاً القول إلى الإفراد دفعاً لكل لبس ، مشيراً بأداة التراخي إلى أن طول الإمهال ينبغي أن يكون سبباً للإنابة لا للاغترار بظن الإهمال : ( ثم أخذت ) أي بأنواع الأخذ ) الذين كفورا ) أي ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم ودعائهم لهم .
ولما كان أخذ