كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 23
العفة ، والثالثة الشجاعة ، فأمهات الفضائل هي هذه الثلاث ، وما سوى ذلك إنما هو من تفريعاتها وتركيباتها ، وكل منها وكل منها محتوش بطر في إفراط وتفريط هما رذيلتان ، أما الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة ، وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عيلها المشار إليه بقوله تعالى :
77 ( ) ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراُ كثيرا ( ) 7
[ البقرة : 269 ] وإفراطها الجزبرة ، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات ، وعلى وجه لا ينبغي ، كالمخالفة الشرائع - نعوذ بالله من علم لا ينفع قلت : وهي بجيم ثم مهملة ثم موحدة ثم زاي مأخوذة من الجزبر - بالضم ، وهو الخب ، أي الخداع الخبيث - والله اعلم ، وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية بالإرداة والوقوف على اكتساب العلوم النافعة ، وأما الشجاعة فيه انقياد السبعية للناطقة ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الماثلة ، حتى يكون فعلها جميلاً ، وصبرها محموداً ، وإفراطها التهور ، أي الإقدام على ما ينبغي ، وتفريطها الجبن ، أي الحذر عما لا ينبغي ، وأما العفة فهي انقياد البهيمة للناطقة ، لتكون تصرفاتها بحسب اقتضاء الناطقة ، لتسلم عن استبعاد الهوى إياها ، واستخدام اللذات ، وإفراطها الخلاعة والفجور ، أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب ، وتفريطها الجمود ، أي السكوت عن طلب الذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع إيثاراً لا خلقة ، فالأوساط فضائل ، والأطراف رذائل ، وإذا امتزجت الفضائل الثلاث حصلت من اجتماعها حالة فضائل ، والأطراف رذائل ، وإذا امتزجت الفضائل الثلاث حصلت من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة ، فبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة ، أي في قوله تعالى :
77 ( ) وكذلك جعلناكم أمة وسطا ( ) 7
[ البقرة : 143 ] وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام ( خير الأمور أوساطها ) والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة ليصل إلى كمالها اللائق بها ، ومقصدها المتوجه إليه ، وفي السبعية كسر البهيمية وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها ، واشترط التوسط في افعالها لئلا تستبعد الناطقة هواهما وتصرفاها عن كمالها ومقصدها - انتهى .
ولما انقضت هذه الجمل ، رافعة أعناقها على المشتري وزحل ، قابلة لمن يريد عملها مع الكسل ، والضجر في الفكر والملل ، وأين الثريا من يد المتناول ، وكان قد أخبر سبحانه وتعالى في أول السورة أن الآيات المسموعة هدى لقوم وضلال لآخرين ، وكان من الغرائب أن شيئاً واحداً يؤثر شيئين متضادين ، وأتبع ذلك ما دل على أنه من بالغ الحكمة بوجوه مرضية مشرقة مضيئة ، لكنها بمسالك دقيقة وإشارات خفية ، إلى أن

الصفحة 23