كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 237
تخلف اصلاً في أن من كذب رسولاً أخذ ، فقال عاطفاً عليه استشهاداً على الخبر عن سنته في الأولين بما يذكر من آثارهم : ( أولم يسيروا ) أي فيما مضى من الزمان ) في الأرض ) أي التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق ) فينظروا ) أي فيتسبب لهم عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوماً من الأيام ، فإن العاقل من إذا رأى شيئاً تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ما جرى من مقاله ، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله ) كيف كان عاقبة ) أي آخر أمر ) الذين ( ولما كان عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان ، أثبت الجار فقال : ( من قبلهم ) أي على أيّ حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن يفعلوا مثل افعالهم فيكون حالهم كحالهم ، وهذا معنى يس
77 ( ) أنهم إليهم لا يرجعون ( ) 7
[ يس : 31 ] سواء كما يأتي إن شاء الله تعالى بيانه .
ولما كان السياق لاتصافهم بقوتي الظاهر بالأشدية في حملة حالية فقال : ( وكانوا ) أي أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا ) أشد منهم ) أي من هؤلاء ) قوة ( في قوتي الاستكبار والمكر الجارّ بعد العار إلى النار .
ولما كان التقدير : فما أعجز الله أمر أمة منهم ، ولا أمر أحد من أمة حين كذبوا رسولهم ، وما خاب له ولي ولا ربح ولا عدو ، عطف عليه قوله ، مؤكداً إشارة إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير ، وأنهم لا يغلبون أبداً لما لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف : ( وما كان الله ) أي الذي له جميع العظمة ؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله : ( ليعجزه ) أي مريداً لأن يعجزه ، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى وأبلغ في التأكيد بقوله : ( من شيء ) أي قل أو جل وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله : ( في السماوات ) أي جهة العلو ، وأكد بإعادة النافي فقال : ( ولا في الأرض ) أي جهة السفل .
ولما كان منشأ العجز الجهل ، علل بقوله مؤكداً لما ذكر في أول الآية : ( إنه كان ) أي أزلاً وأبداً ) عليماً ) أي شامل العلم ) قديراً ) أي كامل القدرة ، فلا يريد شيئاً إلا كان .
ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون : ما له لا يهلكنا ، علم أن التقدير : لو عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم ، فعطف عليه قوله إظهاراً للحكم مع العلم : ( ولن يؤاخذ الله ) أي بما له من صفات العلو ) الناس ) أي من فيه نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة .
ولما كان السياق هنا لأفعال الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما لا الاتصاف بهما ، بخلاف الذي هو سياق النحل فإنه ممنوع