كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 238
من الاتصاف وإن لم يظهر به أثر من آثار الجوارح ، عبر هعنا بالكسب وفك الصدر ليخص ما وجد منه بالفعل فقال : ( بما كسبوا ) أي من جميع أعمالهم سواء كان حراماً أو لا ) ما ترك على ظهرها ) أي الأرض ) من دآبة ) أي بل كان يهلك الكل ، أما المكلفون فلأنه ليس في أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره ، لما لهم من النقص ولما له سبحانه من العلو والارتقاء والكمال ، وأما غيرهم فإنما خلقوا لهم ، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم ، وذلك كما فعل في زمان نوح عليه السلام ، لم ينج ممن كان على الأرض غير من كان في السفينة ) ولكن ( لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش ، بل يحلم عنهم فهو ) يؤخرهم ) أي في الحياة الدنيا ثم في البرزخ ) إلى أجل مسمى ) أي سماه في الأزل لأنقضاء أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم ، وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم لا تدركونها حق الإدراك ) فإذا جاء أجلهم ) أي الفنائي الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله ، أو الإيجابي الإبقائي بعث كلاًّ منهم فجازاه بعمله من غير وهم ولا عجز .
ولما كانوا ينكرون ما يفمهه ذلك من البعث ، أكد فقال : ( فإن الله ) أي الذي له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال الاختيار ) كان ( ولم يزل .
ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم قال : ( بعباده ( الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم واحوالهم ) بصيراً ) أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ومن يستحق الثواب ، فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات الكمال وتمام القدرة على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد بالاختيار ، لما شوهد له سبحانه من الآثار ، كما وقع الإرشاد إليه بالأمر بالسير وبغيره وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره بلفظه ، لما مضى في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة ، ولا تكون القدرة شاملة إلا إذا كانت عن اختيار ، فثبت حينئذ استحقاقه تعالى لجميع المحامد ، فكانت عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة بالملائكة المجردين عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من جيش عقله على عساكر شهواته ونفسه ، حتى صار عقلاً مجرداً صافياً ، حاكماً على الشهوات والحظوظ قاهراً كافياً .
.. .. .

الصفحة 238