كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 243
وسرها ولبابها ، وإن أريد : يا سيد ، فهو خلاصة من سادهم ، وإن أريد : يا رجل ، فهو خلاصة البشر ، وإن أريد : يا محمد ، فهو خالصة الرجال الذين هم لباب الشر الذين هم سر الأحياء الذين هم عين الموجودات فهو خلاصة الخلاصة وخيار وعين القلب ، وكأن من قال معناه محمد نظر إلى الإتحاد في عدد اسمه ( صلى الله عليه وسلم ) بالجمل بالنظر إلى اليمين في المشددة وعدد ) قلب ( وعدد اسمي الحرفين ، ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية ، فمبلغ عدده اثنا عشر .
ولما تقدم في الملائكة إثبات رسالة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وتهديد قومه على النفرة عنه ، وأن مرسله تعالى بصير بعباده ، عالم بما يصلحهم ومن يصلح منهم للرسالة وغيرها ، وكان مدار مادة ( قرأ ) - كما مضى في سورة الحجر - الجمع مع الفرق ، وكان ذلك أعلى مقامات السائرين إلى الله وهو وظيفة القلب ، عبر في القسم بقوله : ( والقرآن ( ووصفه بصفة القلب العازف فقال : ( الحكيم ) أي الجامع من الدلالة على العلم المزين بالعمل والإرشاد إلى العمل المحكم بالعلم .
ولما كان قد ثبت في سورة الملائكة أنه سبحانه الملك الأعلى ، لما ثبت له من تمام القدرة وشمول العلم ، وكان من أجلّ ثمرات الملك إرسال الرسل إلى الرعايا بأوامر الملك وردهم عما هم عليه مما دعتهم إليه النفوس ، وقادتهم إليه الشهوات والحظوظ ، إلى ما يفتحه لهم من الكرم ، ويبصرهم به من الحكم ، وكانت الرسالة أحد الأصول الثلاثة التي تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان ، وكانت هي المنظور إليها أولاً لأنها السبب في الأصلين الآخرين ، وكانوا قد ردوا رسالته نفوراً واستكباراً ، قال مقدماً لها تقديم السببعلى مسببه على وجه التأكيد البليغ مع ضمير الخطاب الذي لا يحتمل لبساً : ( إنك لمن المرسلين ) أي الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم ، فصاروا - بما وهبهم الله القدرة النورانية - كالملائكة الذين قدم في السورة الماضية أنهم رسله وفي عدادهم بما تخلقوا به من أوامره ونواهيه وجميع ما يرتضيه .
ولما كان الأنبياء عليهم السلام من نوره ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأنه أولهم خلقاً وآخرهم بعثاً ، فكانوا في الحقيقة إنما هم ممهدون لشرعه ، وكان سبحانه إنما أرسله ليتمم مكارم الأخلاق ، وكان قد جعل سبحانه من المكارم أن لا يكلم الناس إلا بما تسع عقولهم ، وكانت عدم المرسلين كما في حديث أبي أمامة الباهلي عن أبي ذر رضي الله عنهما عند أحمد في المسند ثلاثمائة وخمسة عشر ، وفيه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون