كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 26
الضلال مع إيضاح الادلة فقال : ( وإذا قيل ) أي من أيّ قائل كان .
ولما كان ظلال الجمع أعجب من ضلال الواحد ، وكان التعجيب من جدال الواحد تعجيباً من جدال الاثنين فأكثر من باب الأولى ، أفرد أولاً وجمع هنا فقال : ( لهم ) أي للمجادلين هذا الجدال : ( اتبعوا ما ) أي ابذلوا جهدكم في تبع الذي ، وأظهر لزيادة التشنيع أيضاً فقال : ( أنزل الله ( الذي خلقكم وخلق آبائكم الأولين ، وهو الذي لا عظيم إلا هو ) قالوا ( جموداً : لا نفعل ) بل نتبع ( وإن جاهدنا بالأنفس والأموال ) ما وجدنا عليه آباءنا ( لأنهم أثبت منا عقولاً ، وأقوم قيلاً ، وأهدى سبيلاً .
ولما كانوا لا يسلكون طريقاً حسياً بغير دليل ، كان التقدير : أتتبعونهم لو كان الهوى يدعوهم فيما وجدتموهم عليه إلى ما يظن فيه الهلاك ، لكونه بغير دليل ، فعطف عليه قوله : ( أو لو كان الشيطان ) أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة ، وهو أعدى اعدائهم ، دليللهم فهو ) يدعوهم ( إلى الضلال فيوقعهم فيما يسخط الرحمن فيوديهم ذلك ) إلى عذاب السعير ( وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم في ضلالهم وأنه مستمر ، وأطلق العذاب على سببه .
ولما كان التقدير : فمن جادل في الله فلا متمسك له ، عطف عليه قوله في شرح حال أضدادهم : ( ومن يسلم ) أي في الحال أو الاستقبال ) وجهه ) أي قصده وتوجهه وذاته كلها .
ولما كان مقصود السورة إثبات الحكمة ، عدى الفعل ب ( إلى ) تنبيهاً على إتقان الطريق بالوسائط من النبي أو الشيخ وحسن الاسترشاد في ذلك ، فقال معلقاً بما تقديره : ساتراً وواصلاً ) إلى الله ( الذي له صفات الكمال ، فلم يبق لنفسه أمر أصلاً ، فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه ) وهو ) أي والحال أنه ) محسن ) أي مخلص الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوة في بادئه الأمور لترقية نفسه من حضيضها إلى أوج الروح على أيدي المسلكين الذين اختارهم لدينه ، العارفين بأخطار السير وعوائق الطريق ) بالعروة الوثقى ( التي هي أوثق ما يتمسك به فلا سقوط له أصلاً ، فليسررك شكره فإن ربه يعليه إلى كل مراد ما دام متمسكاً بها تمثيلاً لحال هذا السائر بحال من سقط في بئر ، أو أراد أن يرقى جبلاً ، فادعى له صاحبه حبلاً ذا عرى فأخذ بأوثقها ، فهو يعول به إذا جره صديقه .
وهو قادر على جره لا محالة من غير انفصام ، لأن متمسكه في غاية الإحكام .
ولما كان الكل صائرين إليه ، رافدين عليه : من استمسك بالأوثق ، ومن استمسك بالأوهى ، ومن لم يتمسك بشيء ، إلا أن الأول صائر مع السلامة ، وغيره مع العطب ،

الصفحة 26