كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 278
وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام تظهر عليهم غرائز العلوم والحكم وغير ذلك مما يجزيه الله على أيديهم ، ولا ينقص شيء من قواهم بل تزاد كما روي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يمشي غير مكترث ، وأن الصحابة رضي الله عنهم ليجهدون أنفسهم ، فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا ، وأنه صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل ، وكان واثقاً من نفسه بأنه يصرع من صارعه ، فلم يملكه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نفسه ، وعاد إلى ذلك ثلاث مرات ، كل ذلك لا يستمسك في يده حتى شرع يقول : أن هذا لعجب يا محمد أتصرعني ، وحتى أنه دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس ، ولم يحك عن نبي من الأنبياء ممن عاش منهم ألفاً ومن عاش دون ذلك أنه نفص شيء من قواه ، بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ملك الموت عليه السلام أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما جاءه صكه ففقأ عينه فقال لربه : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، قال : ارجع إليه فقل له : يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة ، قال : أي رب ثم ماذا ؟ قال : الموت ، قال فالآن .
وفي آخر التوارة : وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب ، فدفن حذاء بيت فاغورا ، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا ، وكان موسى يوم قضي ابن مائة وعشرين سنة ، لم يضعف سني الوقوف في الغرائز والضعف في القوى خرقاً للعادة إكراماً لهم وتنبيهاً للناس على صدقهم ، علم من العطف على غير معطوف عليه ظاهر ومن الإيتان بضميره ( صلى الله عليه وسلم ) من غير تقدم ذكر له أن التقدير : لكن نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) عمرناه وما نكسناه بل منحناه غرائز من الفضائل عجز عنها الأولون والآخرون ، فأتى بقرآن أعجز الإنس والجن ، وعلوم وبركات فاتت