كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 31
وأعاد النافي نصاًَ على كل واحد من الخلق والبعث على حدته فقال : ( ولا بعثكم ( كلكم ) إلا كنفس ) أي كبعث نفس ، وبين الأفراد تحقيقاً للمراد ، وتأكيداً للسهولة فقال : ( واحدة ( فإن كلماته مع كونها غير نافذة نافذة ، وقدرتها مع كونها باقية بالغة ، فنسبه القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء ، لأنه لا يشغله شأن عن شأن ، ثم دل على ذلك بقوله مؤكداً لأن تكذيبهم لرسوله وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا بمرأى منه ومسمع : ( إن الله ) أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة ) سميع ) أي بالغ السمع يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا يشغله شيء منها عن غيره ) بصير ( بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن يرى من الأعيان والمعاني ، ومن كان كذلك كان المحيط العلم بالغه شامل القدرة تامها ، فهو يبصر جميع الأجزاء من كل ميت ، ويسمع كل ما يسمع من معانيه ، فهو بإحاطة علمه وشمول قدرته يجمع تلك الأجزاء ، ويميز بعضها من بعض ، ويودعها تلك المعاني ، فإذا هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع من لمح البصر .
ولما قرر هذه الآية الخارقة ، دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين ، مع دلالته على تسخير ما في السموات والأرض ، وإبطال قولهم :
77 ( ) ما يهلكنا إلا الدهر ( ) 7
[ الجاثية : 24 ] بأنه ، هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك ، خاصاً بالخطاب من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره ، أو عاماً كل عاقل ، إشارة إلى أنه في دلالته على البعث في غاية الوضوح فقال : ( ألم تر ) أي يا من يصلح لمثل هذا الخطاب ، ويمكن أن يكون للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأنه لا يعلم ذلك من المخلوقين حق علمه غيره .
ولما كان كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه ، فكان إنكاره إنكارً لهذا ، نبه على ذلك بالتأكيد فقال : ( أن الله ) أي بجلاله وعز كماله ) يولج ) أي يدخل إدخالاً لا مرية فيه ) الليل في النهار ( فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه ، فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح ) ويولج النهار ) أي يدخله كذلك ) في الليل ( فيخفي حتى لا يبقى له أثر ، فإذا الليل قد طبق الآفاق : مشارقها ومغاربها في مثل الظرف ، فيميز سبحانه كلاً منهما - وهو معنى من المعاني - من الآخر بعد إضمحلاله ، فكذلك الخلق والبعث في قدرتع بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره ، ولما كان هذا معنى من المعاني يتجدد في كل يوم وليلة ، عبر فيه بالمضارع .
ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفنا على طريق معلوم بقدر لا يختلف ، عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال : ( وسخر الشمس ( آية للنهار بدخول الليل فيه