كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 314
المحضرين ) أي المكرهين على حضور هذا الموطن الضنك الذي أنت فيه ، فيالله ما أعظم إحسان هذه الآية في التنفير من العشرة لقرناء السوء لأنها شديدة الخطر قبيحة الأثر ، ولقد أبان نظره هذا عن أنه لم يكن أعلى لذة مما كان فيه فليس بأدنى منه ، فإنه لا شيء ألذ من رؤية العدو الماكر الذي طالما أحرق الأكباد وشوش الأفكار ، في مثل دلك من الإنكار ، وعظائم الأكدار ، من غمرات النار .
ولما رأى ذاك فيما هو فيه من الجحيم ، ورأى نفسه فيما هي فيه من النعيم ، ما ملك نفسه أن قال كما يعرض لمن يكون في شدة فيأتيه الفرج فجأة فيصير كأنه في منام أو أضغاث أحلان ، لا يصدق ما صار إليه سروراً : ( أفما ) أي أنحن يا إخواني منعمون مخلدون فيتسبب عن ذلك أنا ما ) نحن بميتين ) أي بعد حالتنا هذه ، وأكده لأن مثله لأجل نفاسته لا يكاد يصدق ، ثم أعرق في العموم بما هو معياره فقال : ( إلا موتتنا الأولى ) أي التي كانت في الدنيا .
ولما ذكر نعمة الخلاص من الموت ، ذكر نعمة الإنقاذ من الأكدار فقال : ( وما ( ) نحن ( وأكد النفي فقال : ( بمعذبين ( ولما تذكر هذا فاستفزه السرور ، وازدهته الغبطة والحبور ، لم يملك نفسه أن قال في أسلوب التأكيد لما له في ذلك من النشاط لما له من خرق العادة منبهاً على عظمته لتعظيم الغبطة : ( إن هذا ) أي الملك الذي نحن فيه ) لهو ) أي وحده ) الفوز العظيم ) أي الذي لا شيء يعدله .
ولما دل هذا السياق على عظيم ما نالوه ، زاد في تعظيمه بقوله : ( لمثل هذا ) أي الجزاء ) فليعمل العاملون ) أي لينالوه فإنهم يغتنون غنى لا فقر بعده بخلاف ما يتنافسون فيه ويتدالجون عليه من أمور الدنيا ، فإنه مع سرعة زواله منغض بكدره وملاله .
ولما فات الوصف هذا التشويق إلى هذا النعيم ، رمى في نعته رمية أخرى سبقت العقول وتجاوزت حد الإدراك وعلت عن تخيل الوهم في استفهام منفر من ضده بمقدار الترغيب فيه لمن كان له لب فقال : ( أذلك ( الجزاء البعيد المنال البديع المثال ) خير نزلا ( فأشار بذلك إلى أنه إنما هو شيء يسير كما يقدم للضيف عند نزوله على ما لاح في جنب ما لهم وراء ذلك مما لا تسعه العقول ولا تضبطه الفهوم : ( أم شجرة الزقوم ) أي التي تعرفها بأنها في غاية النتن والمرارة ، من قولهم : تزقم الطعام - إذا تناوله على كره ومشقة شديدة ، وعادل بين ما لا معادلة بينهما بوجه تنبيهاً على ذلك ، ولأنهم كانوا يرون ما سبب ذلك من الأعمال خيراً من أعمال المؤمنين التي سببت لهم النعيم ، فكأنهم كانوا يقولون : إن هذا العذاب خير من النعيم ، فسيق ذلك كذلك توبيخاً لهم على سوء أختيارهم .

الصفحة 314