كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 317
الصافات : ( 71 - 75 ) ولقد ضل قبلهم. .. . .
) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ( ( )
ولما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شديد المحبة لهداهم والحزن على ضلالهم ، والأسف على غيهم ومحالهم ، وكان الضلال مع العقل أولاً ، ثم مع وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ثانياً كالمحال ، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق : ( ولقد ضل قبلهم ) أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم ) أكثر الأولين ( بحيث إنه لم يمض قرن بعد آدم عيله السلام إلا وكله أو جله ضلال .
ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل ، نفى ذلكم بقوله مؤكداً لنحو ذلك : ( ولقد أرسلنا ) أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإيتان بما لا ؤيب فيه من البيان ) فيهم منذرين ) أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن البيان ، ومع ذلك فغلب عليهم الضلال ، وعناد أهل الحق بالمحال ، حتى اهلكهم الله بما له من شديد المجال ، وهو معنى قوله : ( فانظر ) أي فتسبب عن الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم : انظر ) كيف ( ولما كان ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلاً قال : ( كان عاقبة ) أي آخر امر ) المنذرين ) أي في إنا أهلكناهم لتكذيبهم ، فاصبر على الشدائد كما صبروا ، واستمر على الدعاء بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر الله .
ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم ، نبه على حال الطائعين بقوله مستثنياً من ضمير المنذرين : ( إلا عباد الله ) أي الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال ، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه الأعظم ) المخلصين ) أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا فيها شوباً لغيره .
ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص ، ولذلك كان أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة هم أنزه الخلق ، وكان أعلى الخلق من جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى يلحق بهم فيجوز مع فضلهم معالي الجهاد ، فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان أكثر تجريداً لنفسه من الشواغل سيراً إلى مولاه وتعريجاً عن كل سواه ، وكان الأب الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى الله ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر