كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 32
) والقمر ( آية الليل كذلك ثم استأنف ما سخرا فيه فقال : ( كل ) أي منهما ) يجري ) أي في فلكه سائراً متمادياً وبالغاً ومنتهياً .
ولما كان محط مقصود السورة الحكمة ، وكانت هذه الدار مرتبطة بحكمة الأسباب والتطرير ، والمد في الإبداع والتسير ، كان الموضع لحرف الغاية فقال : ( إلى أجل مسمى ( لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص ، هذا يقطعها في الشهر مرة وتلك في السنة مرة ، لا يقدر منهما أن يتعدى طوره ، ولا أن ينقص دوره ، ولا أن يغير سيره .
ولما بان بهذا التدبير المحكم ، في هذا الأعظم ، شمول علمه وتمام قدرته ، عطف على ( أن الله ) قوله مؤكداً لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها : ( وأن الله ) أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها ، وقدم الجار إشارة إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير نرة ، وعم الخطاب بياناً لما قبله وترغيباً وترهيباً فقال : ( بما تعملون ) أي في كل وقت على سبيل التجدد ) خبير ( لا يعجزه شيء منه لا يخفى عنه ، لأنه خالق له كله دق وجله ، وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في شيء منه ، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلاً ، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلية من أمور العباد ، فكان ما قاله كما قاله ، لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما قاله ، فتمت كلماته ، وصدقت إشاراته وعباراته ، وهذا دليل آخر على تمام القدرة على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر ، وكل منهم لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون ، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في كل أن دائماً ما تعاقب الملوان ، وبقي الزمان ، لا يشغله شأن منه على شأن ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به .
لما ذكر من دليله ، ولما شاهدوا من إخبار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين وأناس حاضرين ، منهم البعيد جداً والمتوسط والقريب ، وغير ذلك من أحوال توجب القطع لهم بذلك ، هذا علمهم فكيف يكون عالم المخصوص في هذه الآية بالخطاب ( صلى الله عليه وسلم ) ، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى ، ويطلع عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما اطلعه عليه سبحانه وتعالى من عالم الغيب والشهادة .
ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله قال : ( ذلك ) أي ذكره لما من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة ) بأن ) أي بسبب أن ) الله ) أي الذي لا عظيم سواه ) هو ( وحده ) الحق ) أي الثابت بالحقيقة وثبوت