كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 324
) فقال ( منكراً عليها متهكماً بها ظاهراً وموبخاً لقومه حقيقة : ( ألا تأكلون ( ثم زاد في إظهار الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها فقال : ( ما ) أي أيّ شيء حصل ) لكم ( في أنكم ) لا تنطقون ( .
ولما أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطناً من الحجة فقال : ( فراغ ) أي سبب عن إقامته الحجة أنه أقبل مستعلياً ) عليهم ( بغاية النشاط والخفة والرشاقة يضربهم ) ضربا باليمين ) أي بغاية القوة ، وجعل السياق للمصدر إشارة إلى قوة الهمة بحيث صار كله ضرباً .
ولما تسبب عن ذلك أنهم لما علموا بكسرها ظنوا فيه لما كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ليكيدها فأتوه ، أخبر عن ذلك بقوله مسبباً : ( فأقبلوا ( ودل على أنه من مكان بعيد بقوله : ( إليه يزفون ) أي يسرعون ، وقراءة حمزة بالبناء للمفعول أدل على شدة الإسراع لدلاتها على أنهم جاؤوا على حالة كان حاملاً يحملهم فيها على الإسراع وقاهراً يقهرهم عليه من شدة ما في نفوسهم من الوجد .
ولما كان من المعلوم أنهم كلموه في ذلك فطال كلامهم ، وكان تشوف النفس إلى جوابه أكثر ، استأنف الخبر عنه في قوله : ( قال ( غير هائب لهم ولا مكترث بهم لرؤيته لهم فانين منكراً عليهم : ( أتعبدون ( وندبهم بالمضارع إلى التوبة والرجوع إلى الله ، وعبر بأداة ما لا يعقل كما هو الحق فقال : ( ما تنحتون ) أي إن كانت العبادة تحق لأحد غير الله فهم أحق أن يعبدوكم لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم .
ولما كان المتفرد بالنعمة وهو المستحق للعبادة ، وكان الإيجاد من أعظم النعم ، وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها إلى ما صارت إليه من الشكل ، قال تعالى مبيناً أنه هو وحده خالقهم وخالق أعمالهم التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي ، وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في الخلق فلا مدخل لها في العبادة : ( والله ) أي والحال أن الملك الأعظم الذي لا كفوء له ) خلقكم ) أي أوجدكم على هذه الأشكال ) وما تعملون ) أي وخلق عملكم ومعمولكم ، فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني ، ومعلوم أنه لا يعبد إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على النعمة إلا ربها .
الصافات : ( 97 - 101 ) قالوا ابنوا له. .. . .
) قَالُواْ ابْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينِ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ( ( )
ولما كان السامع يعلم أنهم لا بد وأن لا يجيبوه بشيء ، فتشوف إلى ذلك ، أجيب بقوله : ( قالوا ابنوا له ) أي لأجله ) بنياناً ) أي من الأحطاب حتى تصير كالجبل