كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 325
العظيم ، فاحرقوها حتى يشتد لهبها جداً فيصير جحيماً ) فألقوه في ( ذلك ) الجحيم ) أي معظم النار ، وهي على أشد ما يكون إيقاداً .
ولما كان هذا مسبباً عن إرادتهم لإهاننه قال : ( فأرادوا به ) أي إبراهيم عليه السلام بسبب هذا الذي عملوه ) كيداً ) أي تدبيراً يبطل أمره ليعلوا أمرهم ولا يبطل بما أظهر عن عجزهم دينهم ) فجعلناهم ) أي بعظمتنا بسبب عملهم ) الأسفلين ( المقهورين بما أبطلنا من نارهم وجعلناها عليه برداً وسلاماً بضد عادتها في العمل ، فنفذ عملنا وهو خارق للعادة وبطل عملهم الذي هو على مقتضى العادة ، فظهر عجزهم في فعلهم كما ظهر عجزهم في قولهم ، بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليه السلام ، وظهرت قدرتنا واختيارنا ، وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر والخبث والاحتيال والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف ، فكل هذه المعاني - كما ترى - تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي .
ولما كان التقدير : فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى العناد ، عطف عليه قوله : ( وقال ) أي إبراهيم عليه السلام لمن يتوسم فيه أن كلامه يحييه من موت الجهل مؤكداً لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق به : ( إني ذاهب ) أي مهاجر من غير تردد ، قالوا : وهو أول من هاجر من الخلق ) إلى ربي ) أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إليّ بالهجرة إليه ، فلا يحجر عليّ أحد في عبادته فيه .
ولما كان حال سامعه جديراً بأن يقول : من لك بالمعرفة بما يحصل قصدك هذا من التعريف بالموضوع وبما تفعل مما يكون فيه الصلاح ، وما تفعل في التوصل إليه ؟ قال : ( سيهدين ) أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه إلى كل ما فيه تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها ، وهولا يأمر بشيء إلا نصب عليه دليلاً يهدي إليه ، ويسهل لقاصدة المجتهد في أمره سبيله ، وقد اختلفت العبارات عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية ، فهذه العبارة عن أمر الخليل عليه السلام ، وعبر عن أمر الكليم عليه السلام بقوله
77 ( ) ولما جاء موسى لميقاتنا ( ) 7
[ الأعراف : 143 ] وعن أمر الحبيب عليه السلام بقوله
77 ( ) سبحان الذي أسرى بعبده ( ) 7
[ الأسراء : 1 ] قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات : إبراهيم عيله السلام كان بعين الفرق - يعني أنه بعدما كان فيه من الجمع حين كسر الأصنام من الفناء عما سوى الله رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ذلك - وموسى عيله السلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب إليه قولاً ، ثم أخبر أنه قال ) رب أرني ( فلم ير غيره سبحانه فطلب أن يريه وهذا هو الفناء ، ونبينا ( صلى الله عليه وسلم ) بعين جمع الجمع - لأن لم ينسب إليه قول ولا فعل ، بل هو المراد إلى أن قال ) لنريه