كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 330
ولما عظم الغلام ، استأنف تعظيم والده بما يدل على تشريفه على سلامته بقوله : ( سلام على إبراهيم ) أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية وتكريم في الدارين ولما كان هذا خطاباً لمن بعده عليه السلام وهم كلهم محبون مجلون معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال : ( كذلك ) أي مثل هذا الجزاء العظيم ) نجزي المحسنين ( من غير أن يذكر ( أن ) المؤكدة ، ولما كانت أهل الملل كلها متفقة على حبه ، وكان كلهم يدعي اتباعه ورتبه قربه ، قال معللاً لجزائه بهاذ المدح في سياق التأكيد استعطافاً لهم إلى اتباعه في الإيمان في رتبة أتباعه ، قال الرازي : الإيمان المطلق الحقيقي شهود جلال الله ووحدانيته والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه ، وترك المشيئة لمشيئته والانقياد لأمره في جميع أحواله .
ولما أتم قصته في أمر الذبيح ، وشرع في ذكر ما جازاه به على ذلك ، جعل منه أمر إسحاق عليه السلام فقال : ( وبشرناه ) أي جزاء على صبره في المبادرة إلى امتثال الأمر في إعدام إسماعيل عليه السلام ) بإسحاق ( مولوداً زيادة له بعد ما سلمنا إسماعيل عليه السلام حال كونه ) نبياً ) أي في قضائنا أو بوجوده مقدرة نبوته .
ولما كان هذا اللفظ قد يطلق على المتنبئ ، أزال إشكال هذا الاحتمال وإن كان واهياً بقوله : ( من الصالحين ) أي العريقين في رتبة الصلاح ليصلح لأكثر الأوصاف الصالحة .
ولما أثنى على إبراهيم عيله السلام بما عالج مما لم يحصل لغيره مثله ، وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة في ذريته قال : ( وباركنا عليه ) أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه الذي جر هذا الكلام كله الحديث عنه ، وكان آخر ضمير محقق عاد عليه الهاء في ( وفديناه ) ثم في ( وتركنا عليه في الآخيرن ) وهذا عندي أولى من إعادة الضمير على إبراهيم عليه السلام لأنه استوفى مدحه ، ثم رأيت حمزة الكرماني صنع هكذا وقال : حتى كان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والعرب من صلبه .
) وعلى إسحاق ) أي أخيه ، قال حمزة الكرماني : حتى كان إسرائيل الله والأسباط من صلبه ، وقال غيره : خرج من صلبه الف نبي أولهم بعقوب وآخرهم عيسى عليه السلام .
) ومن ذريتهما ) أي الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن مع أبيه في ذلك ، فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب ) محسن وظالم لنفسه ( حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه ، وهذا مما يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من البر .

الصفحة 330