كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 332
ولم تمنعني ابنك الوحيد لأباركنك بركة تامة ولأكثرن نسلك مثل كواكب السماء ، ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر ويرث زرعك أراضي اعدائي وفي نسخة : أعداده - ويتبارك بنسلك جميع الشعوب لأنك اطعتني ، فرجع إبراهيم إلى غلاميه وانصرفوا جميعاً إلى بئر السبع وأقام ثمًّ - وفي نسخة : وسكن إبراهيم بئر السبع - انتهى ما عندهم بلفظه فانظر إليه واجمع بينه وبين ما تقدم في البقرة من قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام تجدهم قد بدلوها بلا شك ، لأن الكلام ينقض بعضه بعضاً ، وذلك أنه قال في هذه القصة ( انطلق بابنك الوحيد ) وكرر وصفه بالوحيد في غير موضع ، وهذا الوصف إنما يكون حقيقة لإسماعيل عليه السلام وهو دون البلوغ ، وأما إسحاق عليه السلام فلم يكن وحيداً ساعة من الدهر ، بل ولد وإسماعيل عليه السلام ابن ثلاث عشرة سنة ونيف بشهادة ما عندهم من التوارة ، وقوله في آخر القصة ( ويتبارك بنسلك جميع الشعوب ) لا يكون في غاية الملاءمة إلا لإسماعيل عليه السلام ، وأما إسحاق عليه السلام فإنما بورك بنسله الأراضي المقدسة فقط ، ولم يتبعهم من غيرهم إلا قليل ، بل كانوا هم في كل قليل يتبعون غيرهم على عبادة أوثانهم بشهادة توراتهم وأسفار أنبيائهم يوشع بن نون ومن بعده عليهم السلام ، وأما نسل إسماعيل عليه السلام فتبعهم على الدين الحق من جميع الأمم ما لا يحصى عدده ولم يتبعوا هم بعد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أحداً من الأمم على عبادة غير الله - هذا وفي المتقدم في سورة البقرة أن هبة سارة أمتها هاجر رضي الله عنها لأبراهيم عليه السلام كان بعد أن سكن كنعان بعشر سنين ، وأن إسماعيل عليه السلام ولد لأبراهيم عليه السلام وهو ابن ست وثمانين سنة ، وأن الله تعالى أمره بالختان وهو ابن تسع وتسعين سنة ، وأنه في ذلك الوقت بشر بإسحاق عليه السلام ، فختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وثم ولد له إسحاق عليه السلام وقد أتى عليه مائة سنة ، ثم قال ما نصه : وصنع إبراهيم يوم فطم إسحاق ابنه مأدبة عظيمة فأبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود لإبراهيم عليه السلام لاعباً ، فقالت إبراهيم عليه السلام : أخرج هذه الأمة عني ، لأن ابن الأمة لا يرث مع إسحاق ابني ، فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان ابنه ، فقال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام : لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك ، أطع سارة في جميع ما تقول لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق ، وابن الأمة أجعله لشعب كثير لأنه من ذريتك ، فغدا إبراهيم عليه السلام باكراً وأخذ خبزاً وإداوة من ماء ، فاعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام - إلى آخر ما في البقرة فقوله ( إن هاجر طردت بعد فطام إسحاق وابنها تحمل ) لا يصح ، وقد تقدم أن عمره يوم فطام إسحاق خمس عشرة سنة ، وتقدم أيضاً أن سارة أمرتخ بطردها وهي حبلى ، وأنه سلمها لها فطردتها ،