كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 35
باستحقاق شديد الغضب والعذاب ، فقال معجباً عاطفاً على ما تقديره : وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ما في ذلك من الآيات في حال رخائهم : ( وإذا غشيهم ) أي علاهم وهو فيها حتى صار كالمغطى لهم ، لأنه منعم من أن تمتد أبصارهم كما كانت ) موج ) أي هذا الجنس ، ولعله أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإيتانه شيئاً في أثر متتابعاً بركب بعضه كأنه شيء واحد ، وأصله من الحركة والازدحام ) كالظلل ) أي حتى كان كأطراف الجبال المظلمة لمن يكون إلى جانبها ، وللإشارة إلى خضوعهم غاية الخضوع كرر الأسم الأعظم فقال : ( دعوا الله ) أي مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله ، عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من حقيته وعلوه وكبره وبطلان ما يدعون من دونه ) مخلصين له الدين ( لا يدعون شيئاً سواه بألسنتهم ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال ، وقسرهم عليه من العظمة والكمال ، واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا به لتعظيم الأمر فيه لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب .
ولما كان القتل بالسيف أسهل عندهم من أن يقال عنهم : إنهم أقروا بشيء هم له منكرون لأجل الخوف خوف السبه بذلك والعار حتى قال من قال : لولا أن يقال إني ما أسلمت إلا جزعاً من الموت فيسب بذلك بني من بعدي لأسلمت .
بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا عند خوف الغرق في ذلك ، وأعجب منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء ، لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم من أعظم الشنع ، فقال دالاً بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم : ( فلما نجّاهم ) أي خلصهم رافعاً لهم ، تنجية لهم عظمية بالتدريج من تلك الأهوال ) إلى البر ( نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين ، وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين ) فمنهم ) أي تسبب عن نعمة الإنجاء وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم ) مقتصد ( متكلف للتوسط والميل للإقامة على الطريق المستقيم ، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار ، وهم قليل - بما دل عليه التصريح بالتبعيض ، ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب الحياة في التصريح بذلك ، وهو الأكثر - كما مضت الإشارة إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض ، وما يقتصد إلا كل صبار شكور ، إما حالاً وإما مالاً ) وما يجحد ( وخوّف الجاحد بمظهر العظمة التي من شأنها الانتقام ، فقال صارفاً القول إليه : ( بآياتنا ) أي ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها ) إلا كل ختار ) أي شديد الغدر عظيمة لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف ) كفور ) أي عظيم الكفر