كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 351
الأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) 73
( ) 71
ولما سلب عن الكل كل شيء من القدرة إلا ما وهبهم ، وكان الكفار يدعون أنهم يعبدون الله تعالى وينزهونه وأن الإشتراك لا يقدح في ذلك ، بين أن المخلصين خصواً دونهم بمواقف الصفاء ، ومقامات الصدق والوفاء ، لأن طاعتهم أبطلها إشراكهم ، فقال مؤكداً ومخصصاً : ( وإنا ) أي يا معشر المخلصين ) لنحن ) أي دونكم ) الصافون ) أي أنفسنا في الصلاة والجهاد وأجنحتنا في الهواء فيما أرسلنا به وغير ذلك لاجتماع قلوبنا على الطاعة ) وإنا لنحن المسبحون ) أي المنزهون له سبحانه عن كل نقص مما ادعيتوه من البنات وبجوز أن يكون المعنى : لنا هذا الفعل ، وهو الصف والتسبيح ، ولا ينوي له مفعول البتة .
ولما بين ضلالهم وهداه ( صلى الله عليه وسلم ) وهدى من اتبعه - بما أشار إليه بصفة الربوبية التي أضافها إليه في قوله ( ألربك ) أعلم بأنهم زادوا على عيب الضلال في نفسه عيب الإخلاف للوعد والنقض لما أكدوه من العهد ، فقال مؤكداً إشارة إلى أنه لا يكاد يصدق أن عاقلاً يؤكد على نفسه في أمر ثم يخلفه جواباً لمن يقول : هل نزهوه كما نزهه المخلصون : ( وإن ) أي فعلوا ذلك من الضلال بالشبه التي افتضحت بما كشفناه من ستورها ولم ينزهوا كما نزه المخصلون والحال أنهم ) كانوا ( قبل هذا ) ليقولون ) أي قولاً لا يزالون يجددونه مع ما فيه من التأكيد ) لو أن عندنا ذكراً ) أي على أيَ حال كان من أحواله من كتاب أو غيره ) من الأولين ) أي من الرسل الماضين ) لكنا عباد الله ) أي بحيث أنا نصير اهلاً للإضافة إلى المحيط بصفات الكمال ) المخلصين ) أي في العبادة له بلا شائبة من شرك أصلاً .
ولما كان هذا الذكر - الذي أتاهم مع كونه أعظم ذكر أتى مصدقاً لكتب الأولين وكان الرسول الآتي به أعظم الرسل ، فكان لذلك هو عين ما عقدوا عليه مع زيادة الشرف - سبباً لكفرهم قال : ( فكفروا به ) أي فتسبب عما عاهدوا عليه أنهم كفروا بذلك الذكر مع زيادته في الشرف على ما طلبوا بالإعجاز وغيره فتسبب عن ذلك تهديدهم ممن أخلفوا وعده ، ونقضوا مع التأكيد عهده ، فقال : ( فسوف يعلمون ) أي بوعيد ليس هو من جنس كلامهم ، بل هو مما لا خلف فيه بوجه .
ولما كان التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد : فلقد سبقت كلمتنا على من لا خلف فيه بوجه .
ولما كان التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد : فلقد سبقت كلمتنا على من خالف رسلنا بالخذلان المهين ، عطف عليه قوله : ( ولقد سبقت ) أي في الأزل ) كلمتنا ) أي على ما لنا من العظمة ) لعبادنا ) أي الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون ) المرسلين ( الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة .

الصفحة 351