كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 356
( سورة ص )
المقصود منها بيان ما ذكر في آخر الصافات من أن جند الله هم الغالبون - وإن رئي أنهم ضعفاء ، وإن تأخر نصرهم - غلبة آخرها سلامة للفريقين ، لأنه سبحانه واحد لكونه محيطا بصفات الكمال كما أفهمه آخر الصافات من التنزيه والحمد وما معهما ، وعلى ذلك دلت تسميتها بحرف " ص " لأن مخرجه من طرف اللسان ، وبين أصول الثنيتين السفليتين ، ولهمن الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير ، فكان دالا على ذلك لأن مخرجه أمكن مخارج الحروف وأوسعها وأخفها وأرشقها وأغلبها ، ولأن ما له من الصفات العالية أكثر من ضدها وأفخم وأعلى وأضخم ، ولذلك ذكر من فيها من الأنبياء الذين لم يكن على أيديهم إهلاك ، بل ابتلوا وعرفوا وسلمهم الله من أعدائهم من الجن والإنس ، وإلى ذلك الإشارة بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من أن معناه : الله صادق فيما وعد ، أو صدق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، أو صاد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، قلوب الخلق واستمالها ، وبه قرأ أبو عمرو في رواية شاذة على أنه فعل ماض من الصيد ، وقرأ الحسن وغيره بكسر الصاد على أنه أمر من المصاداة وهي المعارضة أي عارض بما أنزلناه إليك الخلائق وجادلهم به فإنك تغلبهم لأن الصدق سيف الله في أرضه ، ما وضعه على شيء إلا قطعه ، وقد انبسط هذا الصدق الذي أشار إليه الصاد على كل صدق في الوجود فاستمال كل من فيه نوع من الصدق ، ولهذا قال في السورة التي بعدها ) والذي جاء بالصدق وصدق به ) [ الزمر : 33 ] فذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام شاهد وجودي على ما هو معنى الصاد عند العلماء الربانيين من أنه مطابقة ما بين الخلق والأمر ، وتسمى سورة داود عليه السلام - كما قاله ابن الجوزي رحمه الله - وحاله ( صلى الله عليه وسلم ) أدل أحوال من فيها من الأنبياء على هذا المقصود ، لما كان فيه من الضعف أولا والملك آخرا ) بسن الله ( الذي يعز من انتمى إليه وإن كان ضعيفا لأن ه العزيز ) الرحمن ( الذي له القدرة التامة على أن يرحم بالضراء كما يرحم بالسراء ) الرحيم ( الذي أكرم أهل وده ، بالإعانة على لزوم شكره وحمده .