كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 365
ولما أوجب ذلك التشوف إلى بيان الأحزاب الماضية ، وكانوا أحقر شيء بالنسبة إليه سبحانه مع شدتهم في أنفسهم ، بين ذلك بالتاء الدالة على الرتبة الثانية المؤخرة ، وهي رتبة التأنيث اللازم منه الضعف فقال : ( كذبت ( ولما كانت نيتهم التكذيب لا إلى آخر ، عدّوا مستغرقين للزمان فنزع الجار وقيل : ( قبلهم ) أي مثل تكذيبهم .
ولما كان لأول المكذبين من الكثرة والقوة والاجتماع على طول الأزمان ما لم يكن لمن بعدهم ، كانوا مع تقدمهم في الزمان أحق بالتقديم في هذا السياق فقال : ( قوم نوح ( واستمروا في عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم ، ولم يسمحوا بالإذعان ولا بالتضرع إلى نوح عليه السلام في أن يركبوا معه أو يدعو لهم فينجوا .
ولما كان لقوم هود عليه السلام بعدهم من الضخامة والعز ما ليس لغيرهم مع قوة الأبدان وعلوا الهمم واتساع الملك حتى بنوا جنة في الأرض ، أتبعهم بهم ، ومن مناسبتهم لهم في أن عذابهم بالريح التي هي سبب السحاب الحامل للماء فقال : ( وعاد ( مسمياً لهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من المكنة بالملك ، واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح ، ورأوها تحمل الإبل فيما بين السماء والأرض ، وهجم عليهم أوائلها وهم يرون هوداً عليه السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم في عافية منها ، ولم يدعهم الشقاق يسألونه في الدعاء لهم ولا يذعنون لما دعاهم إليه .
ولما كان لهم من القوة والملك في جميع الأرض وبناء إرم ذات العماد ما يتضاءل معه ملك كل ملك ، أتبعهم ملكاً ضخماً قهر غيره بعز سلطانه وكثرة أعوانه ، حتى ادعى الألهية في زمانه ، وتكبر بسعة ملكه والأنهار الجارية من تحته مع ما لم من الوفاق لهم بأن عذابه كان بالريح باطناً ففرقته طرقاً وأيبست تلك الطق ، ولما خلص بنو إسرائيل أمرها الله تعالى فسكنت ، فانطبق البحر على فرعون وآله ، فقال تعالى : ( وفرعون ( ذكره باسمه نصاً على حقيقة أمره وتصريحاً بكفره إبطالاً لما أظهره الأخابث من شره طعناً في الدين وتشككياً لضعفاء المسلمين .
ولما نص على كفره ، وصفه بما يدل مع الدلالة على مشاركة عاد في ضخامة الأمر وعلى كفر قومه فقال : ( ذو الأوتاد ) أي الأسباب الموجبة لثبات الملك وتقويته من علو السلطان بكثرة الأعوان والتفرد بالأوامر وسعة العقل ودقة المكر وكثرة الحيل بالسحر وغيره وجودة التدبير بالعدل فيما يزعم وصولة القهر ، قال أبو حيان : وأصله من البيت المطنب بأوتاده - قال الأفوه الأودي :
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد