كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 377
القضية لتدريب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على الصبر على قومه ، والثاني فإن هذه السورة على ما روي عن جابر بن زيد من أوائل ما أنزل بمكة ، وعلى هذا دل الحديث السابق عن ابن عباس رضي الله عنهما في شكوى المشركين منه ( صلى الله عليه وسلم ) إلى عمه أبي طالب الوقوع في آلهتهم فإنه كان في أوائل الأمر ، فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أول ما دعاهم لم يؤمر بذكر آلهتهم فلم يجيبوه ولم يبعدوا عن كل البعد ، ثم أمره الله بذكر ألهتهم فناكروه حينئذ وباعدوه ، وتقدموا ذلك بالشكوى إلى أبي طالب مرة بعد أخرى ليرده عنه ، فكانت هذه الدعوى تدريباً لداود عليه السلام في الأحكام ، وذكرها للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) تدريباً له على الأناة في جميع أموره على الداوم .
ولما كان ذكر هذا ربما أوهم شيئاً في مقامه ( صلى الله عليه وسلم ) ، سيق في أسلوب التأكيد قوله : ( وإن له ) أي مع الغفران ، وعظم ذلك بمظهر العظمة لأن ما ينسب إلى العظيم لا يكون إلا عظيماً فقال : ( عندنا ( وزاد في إظهار الاهتمام بذلك نفياً لذلك الذي ربما مرجع في كل ما يؤمل من الخير ، وفرق ذلك ، وأدل دليل على ما ذكرته - أن هذه الفتنة إنما هي بالتدريب في الحكم لا بامرأة ولا غيرها وأن ما ذكروه من قصة المرأة باطل الاستثمار منها صارفاً القول عن مظهر العظمة إلى المواجهة بلذيذ الخطاب ، على نحو ما يجري بين الأحباب ) يا داود ( .
ولما كان مضمون الخبر لزيادة عظمة مما من شأنه أن تستنكره نفوس البشر ، أكده لذلك وإظهاراً لأنه مما يرغب فيه لحسنه وجميل أثره وينشط غاية النشاط لذكره فقال : ( إنا ) أي على ما لنا من العظمة ) جعلناك ( فلا تحسب لشيء من أسبابه حساباً ولا تخش له عاقبة ) خليفة ) أي من قبلنا تنفذ أوامرنا في عبادنا فحكمك حكمنا ، وحذف ما يعلم أنه مراد من نحو ) قلنا ( إشارة إلى أنه استقبل بهذا الكلام الألذ عند فراغه من السجود إعلاماً بصدق ظنه ، وقال : ( في الأرض ) أي كلها بهذا الكلام الألذ عن فراغه من السجود إعلاماً بصدق ظنه ، وقال : ( في الأرض ) أي كلها إشارة إلى إطلاق أمره في جميعها ، فلا جناح عليه فيما فعل في أي بلد أرادها ، ولم يذكر المخلوف تعظيماً له بالإشارة إلى أن كل ما جوزه العقل فيه فهو كذلك فهو كان خليفة في بيت المقدس بالفعل على ما اقتضاه صريح الكلام بالتعبير بفي ، وأشار الإطلاق والتعبير بآل إلى أنها خليفة في جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم فيها صح ، وذلك أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يرسل إلى قومه خاصة فيكون ما يؤديه إليه واجباً عليه ، وأما بقية الناس فأمره معهم

الصفحة 377