كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 38
من الألف بالحاضر مُعم لهم عما فيه من الزور ، والخداع الظاهر والغرور ، فقال مظهراً غير مضمر لأجل زيادةً التنبيه والتحذير : ( ولا يغرنكم بالله ( الذي لا أعظم منه ولا مكافئ له مع ولايته لكم ) الغرور ) أي الكثير الغرور المبالغ فيه ، وهو الشيطان الذي لا أحقر منه ، لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها ، ويليهيكم به من تعظيم قدرها ، وينسيكموه من كيدها وغدرها ، وتعبها وشرها ، وأذاها وضرها ، فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم ، فلا تعدونه معاداً ، فلا تتخذون له زاداً ، لما اقترن بغروره من حلم الله وإمهاله ، قال سعيد بن جبير رضي الله عنه : الغرة أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة .
ولما كان من الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك اليوم يسأل عن وقته كما مضى في غير آية ، ويأتي في آخر التي بعدها ، إنا تعنتاً واستهزاء وإما حقيقة ، أجاب عن ذلك ضاماً إليه أخواته من مفاتيح الغيب المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي ، لما في ذلك من الحكمة التي سقيت لها السورة ، مرتباً لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق ، فقال مؤكداً لما يعتقدون في كهانهم مظهراً الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء المقام له : ( إن الله ) أي بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال ) عنده ) أي خاصة ، ولو قيل له مثلاً ما أفاد الحضور ، ولو قيل ( لديه ) لأوهم التعبير بلدي التي هي للحضور أن ذلك كناية عن قربها جداً ، وأوهم أن علمه تعالى يتفاوت تعلقه بالأشياء بخصوص أو عموم لأجل أن ( لدى ) أخص من عند فكانت عند أوفق للمراد ، فإنها أفادت التمكن من العلم مع احتمال تأخرها وسلمت من تطرق احتمال فاسد إليها ) علم الساعة ) أي وقت قيامها ، لا علم لغيره بذلك أصلاً .
ولما كان سبحانه قد نصب عليها أمارات توجب ظنوناً ةفي قربها ، وكشف بعض أمرها ، عبر تعالى بالعلم ، ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها ، وكانت أبعد الخمس عن علم الخلق ، وكانت شيئاً واحداً لا يتجزى
77 ( ) فإنا هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ( ) 7
[ النازعات : 13 ] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت على طريق الحصر ، وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ينفتح به من العلوم ما يجل عن الحصر ، عن قيام الأنفس بأبدانها ، ماثلة على مذاقها بجميع أركانها ، وأشكالها وألوانها ، وسائر شأنها ، وطيران الأرواح بالنفخ إليها واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم ، وتغاير صورهم وأطوالهم ، وتباين ألسنتهم وأعمالهم ، إلى غير ذلك من الأمور ، وعجائب المقدور ، ثم سعيهم إلى الموقف ثم وقوفهم ، ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين ، هذا إلى موجهم من شدة الزحام ، والكروب العظام بعضاً