كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 403
إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك ، ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله :
77 ( ) قل من كان عدواً لجبريل ( ) 7
[ البقرة : 97 ] دليلاً يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال : ( ربك ) أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر ، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه ) للملائكة ( وهو الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم .
ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من الله كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد ، فكانوا يبعدون أن يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه ، أكد لهم سبحانه قوله : ( إني خالق بشراً ) أي شخصاً ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا غيرهما ليكون التأكيد دليلاً على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى التي أشار إليها بالاختصام ، وبين أصله بقوله معلقاً بخالق أو بوصف بشر : ( من طين ( اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب ( لو لم تذنبوا فتسغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) قال القشيري : وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم عليه السلام لأنه خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة ، ولم يقل في صفة شيء منها ما قاله في صفة آدم عليه السلام وأولاده ، ولم يأمر بالسجود لشيء غيره .
ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل ، سبب عنه قوله : ( فإذا سويته ) أي هيأنه بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب ) ونفخت فيه من روحي ( فصار حساساً متنفساً ، سبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر عن نفخ الإنسان من لهب النيران ، وغير ذلك من التحريك والإسكان ، والزيادة والنقصان ، وأضافة سبحانه إليه تشريفاً له ، ) فقعوا له ) أي خاصة ) ساجدين ) أي اسجدوا له للتكرمة امتثالاً لأمري سجوداً هو بغاية ما يكون من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار ، ففعلوا ما أمرهم به سبحانه من غير توقف ، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال : ( فسجد ) أي عند ما نفخ فيه الروح ) الملائكة ( على ما أمرهم الله ، ولما كان إسناد الخبر إلى الجميع قد يراد به أكثرهم ، أكد بقوله : ( كلهم ( إرادة لرفع المجاز .
ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلاً أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه ، رفع