كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 419
يقول : فما حال من يتولى الولد ؟ - قال القشيري : والمحال على جهة افبعاد أن لو كان كيف حكمه - : ( لو أراد الله ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ) أن يتخذ ) أي يتكلف كما هو دأبكم ، ولا يسوغ في عقل أن الإله يكون متكلفاً ) ولداً ) أي كما زعم من زعم ذلك ، ولما كان الولد لا يراد إلا أن يكون خياراً ، وكان الله قادراً على كل شيء ، عدل عن أن يقول ) لاتخذ ( إلى قوله : ( لاصطفى ) أي اختار على سبيل التبني ) مما يخلق ) أي يبدعه في أسرع من الطرف ، وعبر بالأداة التي أكثر استعمالها فيما لا يعقل إشارة إلى أنه قادر على جعل أقل الأشياء أجلّها على سبيل التكرار والاستمرار - كما أشار إليه التعبير بالمضارع فقال : ( ما يشاء ) أي مما يقوم مقام الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير في إيتان الولد من لا يقدر على الإبداع بغير ذلك .
ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد الأبناء ، لكنه لم يرد ذلك فلم يكن ، فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز خلقاً شريفاً ويسميه ولداً إشارة إلى شدة إكرامه له وتشريفه إياه ، أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة وعيسى عليهم السلام ، فكان ذلك سبباً لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم زعمتم أنهم بنات ، فكنتم كاذبين من جهتين ، هذا غاية الإمكان ، وأما أنه يجوز عليه التوليد فلا ، بل هو مما يحيله العقل ، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج ، والإله لا يتصور في عقل أن يكون محتاجاً أصلاً ، قال ابن برجان ما معناه : كان معهود الولادة لا يتصور على وجهين ، فولد منسوب إلى والده بنوة وولادة روحماً ، فهذا ليس له في الوجود العلي وجود ، ولا في الأمكان تمكن ، ولا في الفعل مساغ بوجه من الوجوه ، وولد بمعنى التنبي والاتخاذ ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم يفعلونه حتى نسخة القرآن ، فلا يبعد أن تكون هذه العبارة كانت جائزة في الكتب قبلنا ، فلما أعضل بهم الداء وألحدوا في ذلك عن سواء القصد الذي هو الاصطفاء إلى بنوة الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم وسد السبيل عن العبادة عن ذلك ، وكشف معنى الاصطفاء ، وأظهر معنى الولاية ، ونسخ ذلك بهذا ، لأن هذا لا يداخله لبس ، وذلك كله لبيان كمال هذه الأمة وعلوها في كل أمر .
ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع ، وانتفى الأمران بما تقدم من الدليل باالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ في كل شيء لشهادة الوجود ، ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلاً فضلاً عن الولد ، نزه نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام ، فقال : ( سبحانه ) أي له التنزيه التام عن كل نقيصة ، ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي لتفرده فقال : ( هو ) أي الفاعل لهذا الفعال ، والقائل لهذه الأقوال ، ظاهراً وباطناً ) الله ) أي الجامع لجميع صفات الكمال ، ثم ذكر من

الصفحة 419