كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 422
تنقصون وأن تفيض منه زوجه ، وذلك قبل خلق حواء منه ، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضاً منه فالكل منه ، ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم ، فقال للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في يساره : إلى النار ولا أبالي .
) ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ القهر ، وكان سبحانه موصوفاً بالعلو ، وكان أكثر الأنعام أشد الإنسان ، فكان تسخيره له وتذليله إنزالاً عن قوته وإيهاناً لشدته ، قال دالاً على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال : ( وأنزل لكم ) أي خاصة ) من الأنعام ) أي الإبل بنوعيها ، والبقر كذلك ، والضأن والمعز .
ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه ، واقتصر على ما عندهم ، وقال : ( ثمانية أزواج ) أي من كل نوع زوجين ذكراً وأنثى ، والزوج اسم لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به ، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل ذكرها وأناثها على انفراده ، لا أن أحداً منها من صاحبه ، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل خلق الآدمي .
ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجباً قال مستأنفاً بياناً لما أجمل قبل : ( يخلقكم ) أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط العناصر ) في بطون أمهاتكم ( ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل إليه يد مخلوق ولا بصره ، قال دالاً على عظمته ودلالته على تمام القدرة والقهر : ( خلقاً ( ودل على تكوينه شيئاً بعد شيء بإثبات الحرف فقال : ( من بعد خلق ) أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار .
ولما كان الحيوان لا يعرف ما هو إلا في التطوير الرابع ، وكان الجهل ظلمة قال : ( في ظلمات ثلاث ( ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة ، فإذا صار عظاماً مكسوة لحماً عرف هل هو ذكر أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل ، وصار آخر ، وقيل ؛

الصفحة 422