كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 424
تعبد لشيء يخصه من نفع أو ضر ، وإنما هو لمصالحهم خاصة بادئاً بما هو من درء المفاسد : ( إن تكفروا ) أي تستروا الأدلة فتصروا على الانصراف عنه بالإشراك ) فإن الله ( لأنه جامع لصفات الكمال ) غني حكيم ) أي فلا يضره كفركم ولا تنفعه طاعتكم ، وأما أنتم فلا غنى لكم عنه بوجه ، ولا بد أن يحكم بينكم فلم تضروا إلا أنفسكم ) ولا يرضى ( لكم - هكذا كان الأصل بدليل ما سبقه ولحقه ، وإنما أظهر ليعم وليذكرهم بما يجدونه في أنفسهم من أن أحداً منهم لا يرضى لعبده أن يؤدي خرجه إلى غيره بغير إذنه فقال : ( لعباده ) أي الذين تفرد بإيجادهم وتربيتهم ) الكفر ( بالإقبال على سواه وأنتم لا ترضون ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية الضعف ، ومعنى عدم الرضى أنه لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه أو يثيب فاعله ويمدحه ، بل يفعل فعل الساخط بأن بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه ) وإن تشكروا ) أي بالعبادة والإخلاص فيها ) يرضه ) أي الشكر الدال فعله ) لكم ) أي الرضى اللائق بجنابه سبحانه بأن يقركم عليه أو يأمركم به ويثيبكم على فعله ، والقسمان بإرادته ، واختلاف القراء في هائه دال على مراتب الشكر - والله أعلم ، فالوصل للواصلين إلى النهاية على اختلاف مراتبهم في الوصول والاختلاس للمتوسطين والإسكان لمن في الدرجة الأولى منه .
ولما كان في سياق الحكم والقهر ، وكانت عادة القهارين أن يكلفوا بعض الناس ببعض ويأخذوهم بجوائرهم لينتظم لهم العلو على الكل لعدم إحاطة علمهم بكل مخالف لأمرهم ، بين أنه سبحانه على غير ذلك فقال : ( ولا تزر وازرة ) أي وازرة كانت ) وزر أخرى ( بل وزر كل نفس عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في دار العمل ، والإثم الذي يكتب على الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس وزر غيره ، وإنما هو وزر نفسه ، فوزر الفاعل على الفعل ، ووزر الساكت على الترك لما لزمه من الأمر والنهي ) ثم إلى ربكم ) أي وحده لا إلى أحد ممن أشركتموه به ) مرجعكم ) أي بالبعث بعد الموت إلى دار الجزاء .
ولما كان الجزاء تابعاً للعلم ، قال معبراً عنه به : ( فينبئكم ) أي فيتسبب عن البعث أنه يخبركم إخباراً عظيماً ) بما كنتم تعملون ) أي بما كان في طبعكم العمل به سواء علمتموه بالفعل أم لا يجازيكم عليه إن شاؤ .
ولما كان المراد - كما أشار إليه بكان - الإخبار بجميع الأعمال الكائنة بالفعل أو القوة ، حسن التعليل بقوله : ( أنه عليم ) أي بالغ العلم ) بذات الصدور ) أي بصاحبتها من الخواطر والعزوم ، وذلك بما دلت عليه الصحبة - كل ما لم يبرز إلى الخارج ، فهو بما برز أعلم .

الصفحة 424