كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 426
الضلال في غاية الظهور ، وكان العاقل لا يفعل شيئاً إلا لعلة ، عظمهم تهكماً بهم عن أن يكونوا ضلوا هذا الضلال الظاهر من غير قصد إليه ، فقال مشيراً إلى ذلك كله : ( ليضل ) أي بنفسه عند فتح الياء ، ويضل غيره عند من ضمها ) عن سبليه ) أي الطريق الموصل إلى رضوانه ، الموجب للفور بإحسانه .
ولما كان من المعلوم المحقق المقطوع به المركوز في الفطر الأولى المستمر فيما بعدها أن الملك لا يدع من يعصيه بغير عقاب ، وكان قد ثبت بقضية الإجماع وقت الاضطرار أنه لا يلتفت إلى أحد سوى الله وكان من التفت - بعد أن أنجاه الله من ضرره وأسبغ عليه من نعمه - كافراً من غير شك عند ذي عقل ، وكان من كان بهذه المثابة في هذه الدار هم أهل النعم الكبار ، والتمتع الصافي عن الأكدار ، كان من المعلوم أنه لا بد من عقوبته في دار القرار ، فقال تعالى مبيناً لأن هذا التمتع إنما هو سبب هذا الكفران استدراجاً مع الإعراض المؤذن بالغضب ) قل ) أي يا أحب خلقنا إلينا المستحق للإقبال عليه بالخطاب ، لهذا الذي قد حكم بكفره مهدداً له بما يقوته بلذيذ عيشه في الدنيا من الفيض من الجناب الأقدس ويؤول إليه أمره من العذاب الأكبر : ( تمتع ) أي في هذه الدنيا التي هي وكل ما فيها - مع كونه زائلاً - يفيض إلى الله ، فهو من جملة المقت إلا لمن صرفه في طاعة الله .
ولما ذكر تمتيعه بالخسيس ، ذكر سببه الخسيس تعظيماً لأجور المؤمنين لانصرافهم عن الكفر مع علمهم بأنه من أسباب التمنيع وبياناً لذوي الهمم العوال من غيرهم فقال : ( بكفرك ( ثم أشار إلى قلة زمن الدنيا وما فيها في جنب الآخرة فقال : ( قليلاً ( ثم علل ذلك بما إذا غمس في عذابه أنعم أهل الدنيا غمسة واحدة قال : ما رأيت نعيماً قط ، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم بالنار ، ودفعاً لما استقر في نفوسهم أن تنعيمهم في الدنيا إنما هو لقربهم من الله ومحبته لهم ، وأن ذلك يتصل بنعيم الآخرة على تقدير كونها : ( إنك ( وهذا الأمر هنا يراد به الزجر ، تقديره : إن تمتعت هكذا كنت ) من أصحاب النار ) أي الذين لم يخلفوا إلا لها
77 ( ) ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ( ) 7
[ الأعراف : 179 ] .
ولما أرشدت ( أم ) قطعاً في قراءة من شدد إدغاماً لإحدى الميمين في الأخرى أن التقدير شرحاً لأحوال المؤمنين بعد أحوال المشركين : أهذا - الذي يدعو الله مرة ، وغيره ممن يجعله له نداً اخرى - أسد طريقة وأقوم قيلاً : ( أمّن هو ( والتقدير في قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف : أمن هو بهذه الصفة خير أم ذلك الكافر الناسي لمن أحسن إليه ، ويرجح التقدير بالاستفهام دون النداء إنكار التسوية بين العالم الذي حداه علمه