كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 432
ولما كانوا يدعون الذكاء ، ويفعلون ما لا يفعله عاقل ، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على غباوتهم بما يصيرون إليه من شقاوتهم فقال : ( الذين خسروا أنفسهم ) أي بدخولهم على الإنسان بعد نفسه أهله الذين عزه بهم قال : ( وأهليهم ) أي لأنهم إن كانوا مثلهم فحالهم في الخسارة كحالهم ، ولا يمكن أحداً منهم أن يواسي صاحبه بوجه فإنه لكل منهم شأن يغنيه ، وإن كانوا ناجين فلا اجتماع بينهم .
ولما كانت العاقبة هي المقصودة بالذات ، قال : ( يوم القيامة ( لأن ذلك اليوم هو الفيصل لا يمكن لما فات فيه تدارك أصلاً ولما كان في ذلك غاية الهول .
كرر التعريف بغباوتهم تنبيهاً على رسخوهم في ذلك الوصف على طريق النتيجة لما أفهمه وتعريف الخبر ووصفه : ( إلا ذلك ) أي الأمر العظيم البعيد الرتبة في الخسارة جداً ) وهو ) أي وحده ) الخسران ( أتى بصيغة الفعلان المفهم مطلقاً للمبالغة فكيف إذا بنيت على الضم الذي هو أثقل الحركات ، وزاد في تقريعهم بالغباوة بقوله : ( المبين ( .
ولما علم بهذا أنه البين في نفسه المنادي بما فيه من القباحة بأنه لا خسران غيره ، فصله بقوله على طريق التهكم بهم : ( لهم ( فإن عادة اللام عند مصاحبة المجرور ولا سيما الضمير إفهام المحبوب للضمير لا سيما مع ذكر الراحة ، أزال إلى قربها منهم بإثبات الجار فقال : ( من فوقهم ظلل ( ولما أوهم ذلك الراحة ، أزال ذلك بقوله : ( من النار ( وذلك أنكأ مما لو أفهمهم الشر من أول الأمر .
ولما كان في القرار - كائناً ما كان على أي حال كان نوع من الراحة بالسكون ، بين أنهم معلقون في غمرات الاضطراب ، يصعدهم اللهيب تارة ، ويهبطهم انعكاسه عليهم برجوعه إليهم أخرى ، فلا قرار لهم أصلاً كما يكون الحب في الماء على النار ، يغلي به صاعداً وسافلاً ، لا يقر في أسفل القدر أصلاً لقوله : ( ومن تحتهم ( .
ولما كان كون الظلة المأخوذة من الظل من تحت في غاية الغرابة ، أعادها ولم يكتف بالأولى ، ولم يعد ذكر النار لفهمها في التحت من باب الأولى فقال : ( ظلل ( ومما يدل على ما فهمته من عدم القرار ما رواه البخاري في صحيحه عن سمر بن جندب رضي الله عنه قال : كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال ( من رأى منكم الليلة رؤيا ) فسألنا يوماً قلنا : لا ، قال ( لكني رأيت رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة ) فذكره بطوله حتى قال ( فانطلقا إلى نقب مثل