كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 433
التنور أعلاه ضيق وأسفله ، توقد تحته نار ، فإذا فيه رجال ونساء عراة فيأتيهم اللهيب من تحتهم فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجون فإذا خمدت رجعوا فذكره ) وهو طويل عظيم ، ثم فسرهم بالزناة .
ولما كان هذا أمراً مهولاً ، وهو لا يرهبونه ولا يرجعون عن غيّهم به ، ذكر فائدته مع الزيادة في تعظيمه فقال : ( ذلك ) أي الأمر العظيم الشأن ) يخوف الله ) أي الملك الأعظم الذي صفاته الجبروت والكبر ) به عباده ) أي الذين لهم أقلية الإقبال عليه ليزدادوا إيماناً فيعيذهم منه .
ولما أهلهم للإضافة إليه وخوفهم سطواته ، أقبل عليهم عند تهيئتهم للاستماع منبهاً على أنه تخويف استعطاف فقال : ( يا عباد فائقون ) أي سببوا عن ذلك أن تجعلوا بينكم وبين ما يسخطني وقاية مما يرضيني لأرضى عنكم .
ولما ذكر ما لمن عبد الطاغوت ، عطف عليه أضدادهم ليقترن الوعد بالوعيد ، فيحصل كمال الترغيب والترهيب فقال : ( والذين اجتنبوا ) أي كلفوا أنفسهم ذلك لما لها في الانسياق إليه من الهوى مع تزيين الشيطان ( حفت النار بالشهوات ) ولما كان للإجمال ثم البيان موقع عظيم ، قال : ( الطاغوت ( وهو كل ما عبد من دون الله ، فلغوت من الطغيان وهو صيغة مبالغة ، وفيه مبالغة أخرى بجعل الذات عين المعنى ، ودل على عكس من تبعها بتعكيس حروفها ، ولما ذكر اجتنابها مطلقاً ترغيباً فيه ، بين خلاصة ما يجتنب لأجله مع التنفير منها بتأنيثها الذي أبصره المنيبون بتقوية الله لهم عليها حتى كانوا ذكراناً وهو إناثاً عكس ما تقدم للكفار في البقرة ، فقال مبدلاً منها يدل اشتمال : ( أن يعبدوها ( .
ولما ذكر اجتناب الشرك ، أتبعه التزام التوحيد فقال : ( وأنابوا ) أي رجعوا رجوعاً عظيماً أزالوا فيه النوبة وجعلوها إقبالة واحدة لا صرف فيها ) إلى الله ) أي المحيط بصفات الكمال فلا معدل عنه ) لهم البشرى ( في الدنيا على ألسنة الرسل وعند الموت تتلقاهم الملائكة فقد ربحوا ربحاً لا خسارة معه لأنهم انتفعوا بكلام الله فأخلصوا دينهم له فبشرهم - هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف فقال مسبباً عن عملهم ، صارفاً القول إلى التكلم بالإفراد تشريفاً للمبشرين الموصوفين : ( فبشر عباد ) أي الذين أهلوا أنفسهم بقصر هممهم عليّ للإضافة إليّ ) الذين يستمعون ) أي بجميع قلوبهم ) القول ) أي هذا الجنس من كل قائل ليسوا جفاة عساة إذا أقبلوا على شيء

الصفحة 433