كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 434
أعرضوا عن غيره بغير دليل ) فيتبعون ) أي بكل عزائمهم بعد انتقاده : ( أحسنه ( بما دلتهم عليه عقولهم من غير إلى أدنى هوى ، ويدخل في هذه الآية دخولاً بيناً حث أهل الكتاب على اتباع هذا القرآن العظيم ، فإن كتب الله كلها حسنة ، وهذا القرآن أحسنها كلاماً ، ويعاني ونظاماً ، لا يشك في هذا أحد له أدنى ذوق .
ولما بين عملهم ، أنتج ذلك مدحهم فقال مظهراً زيادة المحبة لهم والاهتمام بشأنهم بالتأكيد : ( أولئك ) أي العالو الهمة والرتبة خاصة ) الذين ( ولما كان في هؤلاء المجتبين العالو الرتبة جداً وغيره ، أبرز المفعول فقال محولاً الأسلوب إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم هدايتهم ، ) هداهم الله ( بما له من صفات الكمال فبين سبحانه أن لا وصول إليه إلا به ، وهذا بخلاف آية الأنعام حيث ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال ) أولئك الذين هدى الله ( فحذف المفعول لتصير هدايتهم مكررة بوجوب تسليط العامل على الموصول الذي أعاد عليه الضمير في هذه الآية ، وكرر الإشارة زيادة في تعظيمهم فقال : ( وأولئك هم ) أي خاصة ) أولوا الألباب ) أي العقول الصافية عن شوب كدر .
ولما خص سبحانه البشارة بالمحسنين ، علم أن غيرهم قد حكم بشقاوته ، وكان ( صلى الله عليه وسلم ) لما جبل عليه من عظيم الرحمة ومزيد الشفقة جديراً بالأسف على من أعرض ، سبب عن أسقه عليهم قوله : ( أفمن حق ( وأسقط تاء التأنيث الدالة على اللين تأكيداً للنهي عن الأسف عليهم ) عليه كلمة العذاب ( بإبائه وتوليه ، فكان لذلك منغمساً في النار التي أبرمنا القضاء بأنها جزاء الفجار لا يمكن إنقاذه منها ، أفأنت تنقذه من إعراضه الذي غمسه في النار ؟ ثم دل على هذا الذي قدرته بقوله مؤكداً بإعادة حرف الاستفهام لأجل طول الكلام ولتهويل الأمر وتفخيمه للنهي عن تعليق الهم بهم لما عنده ( صلى الله عليه وسلم ) من جبلة العطف والرقة على عباد الله : ( أفأنت تنقذ ) أي تخلص وتمنع وتنجي ، ووضع موضع ضميره قوله شهادة عليه بما هو مستحقه ولا يمكن غير الله فكه منه ) من في النار ( متمكناً فيها شديد الانغماس في طبقاتها ، والرسوخ بحيث إنها قد أحاطت به من كل جانب ، وكان الأصل : أنت تنقذ من حق عليه العذاب ، فقدم المفعول وجعله عمدة الكلام ليقرع السمع ويترقب الخبر عنه ، ثم حذف خبره ليكون أهول فتذهب النفس فيه كل مذهب ، ثم أنكر أن يكون أعلى الخلق ينقذه ، فغيره من باب الأولى ، فصار الكلام بذلك من الرونق والبهجة والهول والإرهاب ما لا يقدر البشر على مثله .
الزمر : ( 20 - 23 ) لكن الذين اتقوا. .. . .
) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ

الصفحة 434