كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 436
وخص المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) بالخطاب حثاً على تأمل هذا الدليل تنبيهاً على عظمته فقال مقدراً : ( ألم تر ) أي مما يدلك على قدرته سبحانه على إعادة ما اضمحل وتمزق ، وأرفت وتفرق : ( أن الله ) أي الذي له صفة كمال ) أنزل من السماء ) أي التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة تقهره على ذلك ) ينابيع ) أي عيوناً فائرة ) في الأرض ( فقهره على الصعود بعد أن غيبه في أعماقها بالفيض والصوب بعد أن كان قسره على الانضباط في العلو ثم أكرهه على النزول على مقدار معلوم وكيفية مدبرة وأمر مقسوم ، قال الشعبي والضحاك : كل ماء في الأرض من السماء ينزل إلى الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا .
ولما كان إخراج النبات متراخياً عن نزول المطر ، عبر بثم ، وفيها أيضاً تنبيه على تعظيم الأمر فيما تلاها بأنه محل الشاهد فقال : ( ثم يخرج ) أي والله ) به ) أي الماء ) زرعاً ( ولما كان اختلاف المسبب مع اتحاد السبب أعجب في الصنعة وأدل على بديع القدرة ، قال : ( مختلفاً ألوانه ) أي في الأصناف والكيفيات والطبائع والطعوم وغير ذلك مع اتحاد الماء الذي جمعه من أعماق الأرض بعد أن تفتت فيها وصار تراباً .
ولما كان الإيقاف بعد قوة الإشراف دالاً على القهر ونفوذ الأمر ، قال إشارة إلى أن الخروج عن الحد غير محمود في شيء من الأشياء فإنه يعود عليه النقص ) ثم يهيج ( وزاد في تعظيم هذا المعنى للحث على تدبره بإسناده إلى خير الخلق ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( فتراه ) أي فيتسبب عن هيجه وهو شدة ثورانه في نموه بعد التمام بتوقيع الانصرام أنك تراه ) مصفراً ( آخذاً في الجفاف بعد تلك الزهرة والبهجة والنضرة .
ولما كان السياق لإظهار القدرة التامة ، عبر بالجعل مسنداً إليه سبحانه بخلاف آية الحديد التي عبر فيها بالكون لأن السياق ثَم لأن الدنيا عدم فقال : ( ثم يجعله حطاماً ) أي مكسراً مفتتاً بالياً .
ولما تم هذا المنوال البديع الدال بلا شك لكل من رآه على أن فاعله قادر على الإعادة لما يريد بعد الإبادة ، كما قدر على الإيجاد من العدم والإفادة لكل ما لم يكن ، قال على سبيل التأكيد للتنبيه على أن إنكارهم غاية في الحمق والجمود : ( إن في ذلك ) أي التدبير على هذا الوجه ) لذكرى ) أي تذكيراً عظيماً واضحاً على البعث وما يكون بعده ، فإن النبات كالإنسان سواء ، يكون ماء ، ثم ينعقد بشراً ، ثم يخرج طفلاً ، ثم يكون شاباً ، ثم يكون كهلاً ، ثم شيخاً ثم هرماً ، ثم تراباً مفتتاً في الأرض ، ثم يجمعه فيخرجه كما أخرج الماء النبات : ( لأولي الألباب ) أي العقول الصافية جداً

الصفحة 436