كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 44
السوابق ) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ( ثم عطف سبحانه على الجميع فدعاهم إلى تقواه ، وحذرهم يوم المعاد وشدته ، وحذرهم من الاغترار ، وأعلمهم أنه المتفرد بعلم الساعة ، وإنزال الغيث ، وعلم ما في الأرحام ، وما يقع من المكتسبات ، وحيث يموت كل من الخلوقات ، فلما كانت سورة لقمان - بما بين من مضمنها - محتوية من التنبيه والتحريك على ما ذكر ، ومعلمة بانفراده سبحانه بخلق الكل وملكهم ن اتبعها تعالى بما يحكم بتسجيل صحة الكتاب ، وأنه من عنده وأن ما انطوى عليه من الدلائل والبراهين يرفع كل ريب ، ويزيل كل شك ،
) الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك ) أي أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء وشواهده ، ثم أتبع ذلك بقوله : ( مالكم من دونه من ولي ولا شفيع ( وهو تمام لقوله : ( ومن يسلم وجهه إلى الله ( ولقوله : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ( ولقوله : ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ( ولقوله : ( اتقوا ربكم ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ( بما ذكرتم ، ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته ، فما لكم بعد التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات تتوقفون عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم ، ولجأتم إليه عند احتياجكم ؟ ثم أعلم نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع ، ولا تغني عنه إجابة ، فقال : ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ( كما فعلنا بلقمان ومن أردنا توفيقه ، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق فقال : ( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ( ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين ، ثم أتبع ذلك بسوء حال من ذكر فأعرض فقال : ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ( وتعلق الكلام إلى آخر السورة - انتهى .
ولما كان الذي قدمه أول السورة على هذا الوجه برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً على أن هذا الكتاب من عند الله ، كان - كما حكاه البغوي والرازي في اللوامع - كأنه قيل : هل آمنوا به ؟ ) أم يقولون ( مع ذلك الذي لا يمترئ فيه عاقل ) افتراه ) أي تعمد كذبه ولما كان الجواب : إنهم ليقولون : افتراه ، وكان جوابه : ليس هو مفتري لما هو مقارن له من الإعجاز ، ترتب عليه قوله : ( بل هو الحق ) أي الثابت ثباتاً لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله ، كائناً ) من ربك ( المحسن إليك بإنزاله وإحكامه ، وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم حقيقته حق الفهم سواه .

الصفحة 44