كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 452
عليه الحق يحل بالكسر أي وجب ، والدين : صار حالاً بحضور أجله ) عذاب مقيم ( لإقامته على حالته وجموده على ضلالته ، ومن يؤتيه الله انتصاراً يعليه وينقله إلى نعيم عظيم ، لانتقاله بارتقائه في مدارج الكمال ، بأوامر ذي الجلال والجمال ، ولقد علموا ذلك في قصة المستهزئين ثم في وقعة بدر فإن من اهلكه الله منهم جعل أهلاكه أول عذابه ونقله به غلى عذاب البرزخ ثم عذاب النار ، فلا انفكاك له من العذاب ، ولا رجاء لحسن المآب .
ولما تجلت عرائس هذه المعاني آخذة بالألباب ، ولمعت سيوف تلك المباني من المثاني قاطعة الرقاب ، وختمها بما ختم من صادع الإرهاب ، أنتجت ولا بد قوله معللاً لإيتان ما توعدهم به مؤكداً لما لهم من الإنكار لمضمون هذا الإخبار : ( إنا أنزلنا ) أي بما لنا من باهر العظمة ونافذ الكلمة .
ولما كان توسط بعد أن أثبت وساطته أول السورة فقال مقروناً بالأمر بالعبادة إشارة إلى بداية الحال ، فلما حصل التمكن فصار الكتاب خلقاً له ( صلى الله عليه وسلم ) وصار ظهوره فيه هادياً لغيره ، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال : ( عليك ) أي خاصة لا على غيرك من أهل هذا الزمان ، لأنك عندنا الخالص لنا دون أهل القريتين ودون أهل الأرض كلهم ، لم يكن لشيء دوننا فيك حظ ) الكتاب ( الجامع لكل خير لكونه في غاية الكمال بما دل عليه ( ال ) ) الناس ( عامة لأن رسالتك عامة ) بالحق ( مصاحباً له ، لا يقدر الخلق على أن يزيحوا معنى من معانيه عن قصده ، ولا لفظاً من ألفاظه عن سبيله وحده ، بل هو معجز في معانيه - حاضرة كانت أو غائبه - ونظومه ، وألفاظه وأسماء وآياته وجميع رسومه ، فلا بد من إيتان ما فيه من وعد ووعيد .
ولما تسبب عن علم ذلك وجوب المبادرة إلى الإذعان له لفوز الدارين ، حسن جداً قوله تعالى تسلية له ( صلى الله عليه وسلم ) لعظيم ما له من الشفقة عليهم وتهديداً لهم : ( فمن اهتدى ) أي طاوع الهادي ) فلنفسه ) أي فاهتداؤه خاص نفعه بها ليس له فيه إلا أجر التسبب ) ومن ضل ) أي وقع منه ضلال بمخالفته لداعي الفطرة ثم داعي الرسالة عن علم معتمد ، أو إهمال للنظر وتهاون .
ولما كان ربما وقع في وهم أنه يحلق الداعي بعد البيان ومن إثم الضال ، وكان السياق لتهديد الضالين .
زاد في التأكيد فقال : ( فإنما يضل عليها ) أي ليس عليك بشيء من ضلاله ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات .
ولما هدى السياق إلى أن التقدير : فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم على الهدئ ، عطف عليه قوله : ( وما أنت ) أي في هذا الحال ، ولمزيد العناية بنفي القهر أداة