كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 467
ولما كان الخافقان خزائن الكائنات ، وكان لا يتصرف في الخزائن إلا ذو المفاتيح ، قال دالاً على وكالته : ( له ) أي وحده ) مقاليد ( واحدها مقلاد مثل مفتاح ، ومقليد مثل قنديل ، وهي المفاتيح والأمور الجامعة القوية وهي استعارة لشدة التمكن من ) السماوات ) أي جميع أعدادها ) والأرض ) أي جنسها خزائنها وأمورها ومفاتيحها الجامعة لكل ما فيهما ، فلا يمكن أن يكون فيهما شيء ولا أن يتصرف فيه شيء منهما ولا فيهما أحد إلا بإذنه فلا بدع في تنجيته الذين اتقوا .
ولما كان التقدير : فالذين آمنوا بالله وتقبلوا آياته أولئك هم الفائزون ، عطف عليه قوله الذي اقتضاه سياق التهديد : ( والذين كفروا ) أي لبسوا ما اتضح لهم من الدلالات ، وجحدوا أن تكون الأمور كلها بيده ) بآيات الله ) أي الذي لا ظاهر غيرها ، فإنه ليس في الوجود إلا ذاته سبحانه وهي غيب لا يمكن المخلوق دركها ، وأفعاله وهي أظهر الأشياء ، وصفاته وهي غيب من جهة شهادة من جهة أخرى ) أولئك ( البعداء البغضاء ) هم ( خاصة ) الخاسرون ( فإنهم خسروا نفوسهم وكل شيء يتصل بها على وجع النفع لأن كفرهم أقبح الكفر من حيث إنه متعلق بأظهر الأشياء .
ولما قامت هذه الدلائل كما ترى قيام الأعلام ، فانجابت دياجير الظلام ، وكان الجهلة قد دعوه ( صلى الله عليه وسلم ) كما قال المفسرون في أول سورة ص - إلى أن يكف عن آلهتهم ، وكان الإقرار عليها عبادة لها ، تسبب عن ذلك أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بما يصدعهم به بقوله : ( قل ( ولما كان مقام الغيرة يقتضي محو الأغيار ، وكان الغير إذا انمحى تبعه جميع اعراضه ، قدم الغير المفعول لأعبد المفعول - على تقدير ( أن ) - لتأمر فقال : ( أفغير الله ) أي الملك الأعظم الذي لا يقر على فساد أصلاً .
ولما كان تقديم الإنكار على فعلهم لهم أرجع ، وتأخير ما سبق من الكلام لإنكاره أروع ، وكان مد الصوت أوكد في معنى الكلام وأفزع وأهول وأفظع ، قال صارفاً الكلام إلى خطابهم ، لأنه أقعد في إرهابهم وأشد في اكتئابهم ) تأمروني ( بالإدغام المقتضي للمد في قراءة أكثر القراء .
ولعل الإدغام إشارة إلى أنهم حالوه ( صلى الله عليه وسلم ) في أمر آلهتهم على سبيل المكر والخداع .
ولما قرر الإنكار لإثبات إلإغيار ، أتم تقرير ذكر العامل في ) غير ( قال حاذفاً ( أن ) المصدرية لتصير صلتها في حيز الإنكار : ( أعبد ( وهو مرفوع لأن ( أن ) لما حذفت بطل عملها ، ولم يراع أيضاً حكمها ليقال : إنه يمتنع نصب ( غير ) بها لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول .
ولما كانت عبادة غير الله أجهل الجهل ، وكان الجهل محط كل سفول ، قال :