كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 474
بطشه بالعرش - وهو بروحه وجسه - إنما هو البعث من الموت لا الإفاقة من الغشي ولا عدم الغشي قبل البعث ، فالذي يوضح الأمر ولا يدع فيه لبساً أن يكون ذلك بعد البعث ، وتكون حينئذ النفخات أربعاً : الأولى لإماتة الأحياء ، الثانية لإحياء جميع الموتى ، وهاتان هما المذكورتان في سورة يس ، ولذلك لما ذكرهما صرح في أمرهما بما لا يحتمل غيره ) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ( الثالثة لابتدائهم بعد البعث بالهول الشديد ، والحال يقتضيه لأن ذلك اليوم يوم الأهوال والارعاب والارهاب ، وإظهار العظمة والجلال لتقطيع الأسباب ، والذي يدل عليه في هذا الحديث قوله ( صلى الله عليه وسلم ) في كثير من رواياته : ( فإن الناس يصعقون يوم القيامة ) فإن يوم القيامة اسم للوقت الذي أوله البعث وآخره تكامل دخول كل فريق إلى داره ومحل استقراره ، وأما صعقة الموت فإنها في دار الدنيا وهي للإنامة لا للإقامة ، ويضعف حمله على ما قبل البعث الروايات الصحيحة الجازمة بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أول من تنشق عنه الأرض ، وما حكاه الكرماني من الإجماع على ذلك ولا فخر فيه إلا بحصول البعث لا بإظهار الجسد من غير بعث ، فهذا الجزم ينافي ذلك الشك ، فإذا كان المراد بما في الحديث الغشي كانت نفخة أخرى للإيقاظ منه ، وهاتان المرادتان بما في هذه السورة كما في رواية السورة كما في رواية الترمذي وما في النمل ، ولذلك عبر عنها بالفزع ، ويؤيد ذلك التعبير في رواية البخاري في التفسير بالنفخة الآخرة ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد أوتي جوامع الكلم ، واختصر له الكلام اختصاراً ، ولو أنهما نفختان فقط كان التعبير بالآخرة قاصراً عما تفيده الثانية مع المساواة في عدة الحروف ، وهو مما لا يظن ببليغ ، فكيف بأبلغ الخلق المؤيد بروح القدس ( صلى الله عليه وسلم ) فكان العدول عن الثانية إلى الآخرة مفيداً أنها أربع ، ولعل ذلك معنى
77 ( ) أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين ( ) 7
[ غافر : 11 ] وسميت إماتة لشدة الغشي بها لعظم أمرها ومعنى زلزلة الساعة التي تسكر ، ويؤيده التعبير عن القيام منها بالإفاقة لا بالبعث ، ولا يعكر على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات ( فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا موسى ) إلى آخره ، فالظاهر أن راويها وهم ، أو روى المعنى فما وفي بالغرض ، والراجح روايات من قالوا ( فأكون أول من يفيق ) بالكثرة وبزوال الإشكال ، هذا ما كان ظهر لي في النظر في المعنى وتطبيق الآيات والأحاديث عليه ، ثم

الصفحة 474