كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 483
في داره التي أعدها له ، ثبت أن الكتاب الذي فيه ذلك منه ، وأنه تام العزة كامل العلم جامع لجميع صفات الكمال فقال : ( تنزيل الكتاب ) أي الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والأكرام لكل ما يحتاج إليه بإنزاله بالتدريج على حسب المصالح والتقريب للأفهام الجامدة القاصرة ، والتدريب للألباب السائرة في جو المعاني والطائرة ) من الله ) أي الجامع لجميع صفات الكمال .
ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر ، لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعداً ووعيداً قال : ( العزيز العليم ( .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالإخلاص وذكر سببه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب ، وأعقب ذلك بالتعويض بذكر من بنيت على وصفهم سورة ص وتتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه سبحانه من المثل الموضح في قوله ) ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشكسون ورجلاً سلماً لرجل ( ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم استمرار مراد لأحدهم ، وذكر قبح اعتذار لهم بقولهم
77 ( ) ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى ( ) 7
[ الزمر : 3 ] ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخبل مخذول شذوذ أمر عن يده وقهره ، فقال الله تعالى
77 ( ) أليس الله بكاف عبده - إلى قوله : أليس الله بعزيز ذي انتقام ( ) 7
[ الزمر : 37 ] ثم أتبع ذلك بحال أندادهم من أنها لا تضر ولا تنفع فقال
77 ( ) قل أفريتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ( ) 7
[ الزمر : 38 ] ثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال
77 ( ) قل لله الشفاعة جميعاً ( ) 7
[ الزمر : 44 ] ) قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ( ) أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لما يشاء ويقدر ( ) الله خالق كل شيء ( ) له مقاليد السماوات والأرض ( ثم عنفهم وقرَّعهم بجهلهم فقال تعالى ) أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ( ثم قال تعالى ) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ( ثم اتبع تعالى - ذلك بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق ثم نفخة القيام والجزاء ومصير الفريقين ، فتبارك المتفرد بالعزة والقهر ، فلما انطوت هذه الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه ، أعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى : ( حك تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ( فذكر من أسمائه سبحانه هذين الاسمين العظيمين تنبيهاً على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق القاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق ما أخر الجزاء الحتم للداؤ الآخرة ، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار ، مع قهره للكل في الدارين معاً ، وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره ، ثم قال تعالى ) غافر الذنب وقابل التوب ( تأنيساً لمن

الصفحة 483