كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 486
وتلاشيهم عند المصادمة ، وإن كانوا في غاية القوة بالنسبة إلى أبناء جنسهم : ( كذبت ( ولما كان تكذيبهم عظيماً وكان زمانه قديماً وما قبله من الزمان قليلاً بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم ، جعل مستغرقاً بجميع الزمان ، فقال من غير خافض : ( قبلهم ( ولما كان الناس على زمن نوح عليه السلام حزباً واحداً مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع ، وحدهم فقال : ( قوم نوح ) أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما يحاولونه وكانوا حزباً واحداً لم يفرقهم شيء .
ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان ، وكان للاجمال من الروع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل قال : ( والأحزاب ) أي الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عدداً ، ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله : ( من بعدهم ( .
ولما كان التذكيب وحده كافياً في الأذى ، دل على أنهم زادوا عليه بالمبالغة في المناصبة بالمعاندة ، وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما يريده العدو فإن عجز عنه نزل إلى ما دونه فقال : ( وهمَّت كل أمة ) أي من الأحزاب المذكورين ) برسولهم ) أي الذي أسلناه إليهم .
ولما كان الأخذ يعبر عنه عن الغلبة والقهر والاستصغار مع الغضب قال : ( ليأخذوه ( ولما كان سوق الكلام هكذا دالاً على أنهم عجزوا عن الأخذ ، ذكر أنهم بذلوا جهدهم في المغالبة بغيره ، فقال حاذفاً للمفعول تعميماً : ( وجادلوا بالباطل ) أي الأمر الذي لا حقيقة له ، وليس له من ذاته إلا الزوال ، كما تفعل قريش ومن انضوى إليهم من العرب ، ثم بين علة مجادلتهم فقال : ( ليدحضوا ) أي ليزلقوا فيزيلوا ) به الحق ) أي الثابت ثباتاً لا حيلة في إزالته .
ولما كان من المعلوم لكل ذي لب أن فاعل مغلوب ، وأن فعله مسبب لغضب المرسل عليه ، قال صارفاً القول إلى المتكلم دفعاً للألباس ، وإشارة إلى شدة الغضب وجرده عن مظهر العظمة استصغاراً لهم : ( فأخذتهم ) أي أهلكتهم وهم صاغرون غضباً عليهم وإهانة لهم .
ولما كان أخذه عظيماً ، دل على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عن حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها وخرقها للعوائد فقال : ( فكيف كان عقاب ( ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم وقف على بعض ما أشرنا إليه ونبهنا عليه ، وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد وإن كان المعذب جميع العباد .
ولما كان التقدير : فحقت عليهم كامة الله لأخذهم على هذا الجدال إنهم أصحاب النار التي جادلوا فيها ، عطف عليه قوله : ( وكذلك ) أي ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ ، فلم يقدروا على التفصي من حقوقها ) حقت ( بالأخذ والنكال ) كلمت (

الصفحة 486