كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 488
ولما كان تعالى باطناً لا يحيط أحد به علماً ، أشار إلى أنهم مع أنهم أهل الحضرة هم من وراء حجاب الكبر وأردية العظمة ، لا فرق بينهم في ذلك وبين ما هو في الأرض السفلى بقوله : ( ويؤمنون ( لأن الإيمان إنما يكون بالغيب .
ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفاً لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف ، فهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة ، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء السادسة وهكذا ، وكانوا قد علموا من تعظيم الله تعالى للنوع الإنساني ما لم يعلمه غيرهم لأمره سبحانه لهم بتعظيمه بما اختص به سبحانه من السجود ، وكان من أقرب ما يقترب به إلى الملك التقرب إلى أهل وده ، نبه سبحانه على ذلك كله بقوله : ( ويستغفرون ) أي يطلبون محو الذنوب أعياناً وآثاراً .
ولما كان الاشتراك في الإيمان أشد من الاتحاد في النسب ، قال دالاً على أن الاتصاف بذلك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض الشفقة : ( للذين آمنوا ) أي أوقعوا هذه الحقيقة لما بينهم من أخوة الإيمان ومجانسته وإن اختلف جنسهم في حقيقة التركيب وإن وقع منهم بعد ذلك خلل يحق عليهم الكلمة لولا العفو ) وما قدروا الله حق قدره ( ) ويعفو عن كثير ( ( لن يدخل أحد الجنة بعمله ) .
ولما استغفارهم بين عبارتهم عنه بقوله : ( ربنا ) أي أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره .
ولما كان المراد بيان اتساع رحمته سبحانه وعلمه ، وكان ذلك أمراً لا يحتمله العقول ، عدل إلى أسلوب التمييز تنبيهاً على ذلك مع ما فيه من هز السامع وتشويقه بالإبهام إلى الإعلام فقال : ( وسعت كل شيء ( ثم بين جهة التوسع بقوله تميزاً محولاً عن الفاعل : ( رحمة ) أي رحمتك أي بإيجاده من العدم فما فوق ذلك ) وعلماً ) أي وأحاط بهم علمك ، فمن أكرمته فعن علم بما جلبته عليه مما يقتضي إهانة أو إكراماً .
ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء من تعذيب الطائع وتنعيم العاصي وغير ذلك ، قالوا منبهين على ذلك : ( فاغفر للذين تابوا ) أي رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوا أعيانها وآثارها ، فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها ) واتبعوا ) أي كلفوا أنفسهم على ما لها من العوج أن لزموا ) سبيلك ( المستقيم الذي لا لبس فيه .
ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب ، وكان سبحانه له أن يعذب من لا ذنب له ، وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا : ( وقهم عذاب الجحيم ) أي اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم ، فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ، ولا يبدل القول لديك ، وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء .

الصفحة 488