كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 504
رسله ، فكان ذلك سبب هلاكهم قال : ( فأخذهم الله ) أي الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة ، ولما لم يتقدم شيء يسند إليه أخذهم ، قال مبيناً ما أخذوا به : ( بذنوبهم ) أي التي سببت لهم الأخذ ولم يغن عنهم شيء من ذلك الذي أبطرهم حتى عتوا به على ربهم ولا شفع فيهم شافع ) وما كان لهم ) أي من شركائهم الذين ضلوا بهم كهؤلاء ومن غيرهم ) من الله ) أي عوض المتصف بجميع صفات الكمال ، أو كوناً مبتدئاً من جهة عظمته وجلاله ، وأكد النفي بزيادة الجار فقال : ( من واق ) أي يقيهم مراده سبحانه فيهم ، لا من شركائهم ولا من غيرهم ، فعلم أن الذين من دونه لا يقضون بشيء ، ويجوز أن تكون ( من ) الأولى ابتدائية على بابها تنبيهاً على أن الأخذ في غاية العنف لأنه إذا لم يبتدئ من جهته سبحانه لهم وقاية لم تكن لهم باقية بخلاف نت عاقبه الله عقوبة تأديب ، فإن عذابه يكون سبب بقائه لما يحصل له منه سبحانه من الوقاية .
ولما ذكر سبحانه أخذهم ذكر سببه بما حاصله أن الاستهانة بالرسول استهانة بمن أرسله في قوله : ( ذلك ) أي الأخذ العظيم ولما كان مقصود السورة تصنيف الناس في الآخرة صنفين ، فكانوا إحدى عمدتي الكلام ، أتى بضميرهم فقال : ( بأنهم ) أي الذين كانوا من قبل ) كانت تأتيهم ) أي شيئاً فشيئاً في الزمان الماضي على وجه قضاه سبحانه فأنفذه ) رسلهم ) أي الذين هم منهم ) بالبينات ) أي الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضح الأمر بحيث لا يسع منصفاً إنكارها .
ولما كان مطلق الكفر كافياً في العذاب ، عبر بالماضي فقال : ( فكفروا ) أي سببوا عن إيتان الرسل عليهم الصلاة والسلام الكفر موضع ما كان إيتانهم سبباً له من الإيمان .
ولما سبب لهم كفرهم الهلاك قال : ( فاخذهم ) أي أخذ غضب ) الله ) أي الملك الأعظم .
ولما كان قوله ) فكفروا ( معلماً بسبب اخذهم لم يقل : بكفرهم ، كما قال سابقاً : بذنوبهم ، لإرشاد السباق إليه .
ولما كان اجتراؤهم على العظائم فعل منكر للقدرة ، قال مؤكداً لعملهم عمل من لا يخافه : ( إنه يقوي ( لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ) شديد العقاب ( .
ولما كان ذلك عجباً لأن البينات تمنع من الكفر ، فكان تقدير لمن ينكر الإرسال على هذه الصفة : فلقد أرسلناهم كذلك ، وكان موسى عليه السلام من أجل المرسلين آيات ، عطف على ذلك تسلية ونذارة لمن أدبر ، وإشارة لمن استبصر قوله : ( ولقد ( ولفت القول إلى مظر العظمة كما في الآيات التي أظهرها بحضرة هذا الملك المتعاظم من الهول والعظم الذي تصاغرت به نفسه وتحاقرت عنده همته وانطمس حسه ، فقال : ( أرسلنا ) أي على ما لنا من العظمة ) موسى بآياتنا ) أي الدالة على جلالنا ) وسلطان (