كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 512
وينادي المنادي
77 ( ) يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ( ) 7
[ الرحمن : 33 ] .
ولما كان المدبر إنما يقصد في إدباره معقلاً يمنعه ويستره أو فئة تحميه وتنصره ، قال مبيناً حالهم : ( ما لكم من الله ) أي الملك الجبار الذي لا ند له ، وأعرق في النفي فقال : ( من عاصم ) أي مانع يمنعكم مما يراد فما لكم من عاصم أصلاً ، فإنه سبحانه يجير ولا يجار عليه .
ولما كان التقدير : لضلالكم في الدنيا فإن حالكم في ذلك اليوم مكتسب من احوالكم في هذا اليوم ، عطف عليه قوله معمماً : ( ومن يضلل اللهُ ) أي الملك المحيط بكل شيء الباطن في اردية الجلال الظاهر في مظاهر القهر والجمال ، إضلالاً جبله عليه فهم في غاية البيان - بما أشار إليه الفلك ) فما له من هاد ) أي إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه ، وأما الضلال العارض فيزيله الله لمن يشاء من عباده ، وهذا لا يعرف إلا بالخاتمة كما قاله الإمام أبو الحسن الأشعري : فمن مات على شيء فهو مجبول عليه .
ولما كان الحاصل ما مضى من حالهم في أمر موسى عليه السلام أنه جاءهم بالبينات فشكوا فيها ، وختم بتحذيرهم من عذاب الدنيا والآخرة ، عطف عليه شك آبائهم في مثل ذلك ، فقال مبيناً أنهم مستحقون لما حذر منه العذاب ليشكروا نعمة الله في إمهاله إياهم ويحذروا نقمته إن تمادوا وأكد لأجل إنكارهم أن يكونوا أتو ببينة ، وافتتح بحرف التوقع لأن حالهم اقتضت توقع ذلك ودعت إليه : ( ولقد جاءكم ) أي جاء آباءكم يا معشر القبط ، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد ، ومن أنهم على طبائعهم لا سيما إن كانوا لم يفارقوا مساكنهم : ( يوسف ) أي نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم .
ولما لم يكن مجيئه مستغرقاً لما تقدم موسى عليه السلام من الزمان أدخل الجار فقال : ( من قبل ) أي قبل زمن موسى عليه السلام : ( بالبينات ) أي الآيات الظاهرات ولا سيما في أمر يوم التناد ) فما زلتم ( بكسر الزاي من زال يزال أي ما برحتم أنتم تبعاً لآبائكم ) في شك ) أي محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن ) مما جاءكم به ( من التوحيد وما يتبعه ، ودل على تمادي شكهم بقوله : ( حتى إذا هلك ( وكأنه عبر بالهلاك إيهاماً لهم أنه غير معظم له ، وأنه إنما يقول ما يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة ) قلتم ) أي من عند أنفسكم بغير دليل كراهة لما جاء به وتضجرا منه جهلاً بالله تعالى : ( لن يبعث الله ) أي الذي له صفات الكمال .

الصفحة 512