كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 519
) وأنا ادعوكم ) أي أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده ) إلى العزيز ) أي البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء .
ولما وصفه بهذا الوصف ترهيباً ، صح قطعاً وصفه ترغيباً بقوله : ( الغفار ) أي الذي يتكرر له دائماً محو الذنب عيناً وأثراً ولا يقدر على غير ذلك من هو بصفة العزة ، ومن صح وصفه بهذين الوصفين فهو الذي لا يجهل ما عليه ، من صفات الكمال أحد ، فالآية من الاحتباك : ذكراً أولاً عدم العلم دليلاً على العلم ثانياً ، وثانياً العزة والمغفرة دليلاً على حذفهما أولاً .
ولما كان انتفاء العلم بالشيء من أهل العلم انتفاء ذلك الشيء في أصول الدين ، كان ما دعوه إليه باطلاً ، وكان ما دعاهم إليه هو الحق ، فلذلك أنتج قطعاً قوله : ( لا جرم ( وهي إن كانت بمعنى : لا ظن ولا اضطراب أصلاً - كما مضى في سورة هود عليه السلام فيها معنى العلة ، أي فلأجل ذلك لا شك في ) إنما ) أي الذي ) تدعونني إليه ( من هذه الأنداد ) ليس له دعوة ( بوجه من الوجوه ، فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة ) في الدنيا ( التي هي محل الأسباب ، الظاهرة لأن شيئا منه ليس له واحد من الوصفين ) ولا في الآخرة ( لأن ما لا تعلم إلهيته كذلك يكون ) وإن ) أي ولا اضطراب في أن ) مردنا ) أي ردنا العظيم بالموت وموضع ردنا ووقته منتهٍ ) إلى الله ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال لما اقتضته عزته ، فيجازي كل أحد بما يستحقه ) وأنَّ ) أي ولا شك في أن ) المسرفين ) أي المجاوزين للحدود العريقين في هذا الوصف ) هم ) أي خاصة لأجل حكم الله بذلك عليهم ) أصحاب النار ) أي الذين يخلدون فيها لا يفارقونها كما يقتضيه معنى الصحبة لأن إسرافهم اقتضى إسراف ملازمتهم للنار التي طبعها الإسراف ، وقد علم أن ربها لا يجزي بالسيئة إلا مثلها .
ولما تقرر أنه لا أمر لغير الله وأنه لا بد من المعاد ، تسبب عنه بقوله : ( فستذكرون ) أي قعطاً بوعد لا خلف فيه مع القرب ) ما أقول لكم ( حين لا ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي وإن لم تقبلوه .
ولما ذكر خوفهم الذي لا يحميهم منه شيء ذكر خوفه الذي هو معتمد فيه على الله ليحيمه منه فقال عاطفاً على ( ستذكرون ) غير مراعى فيها معنى السين : ( وأفوض ) أي أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله ) أمري ( فيما تمكرونه بي ) إلى الله ) أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة فهو يحميني منكم : إن شاء ، قال صاحب المنازل : التفويض ألطف إشارة وأوسع من التوكل بعد وقوع السبب ، والتفويض قبل وقوعه وبعده ، وهو عين الاستسلام ، والتوكل شعبة

الصفحة 519