كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 524
لهم ، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض ولو بعد حين ، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يرون منهم ) ويوم يقوم الأشهاد ) أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين ، جمع كشريف وأشراف ، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها ، لما لهم من الحضور التام ، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجميع القلة ، ولكن الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، وإنما عبر بذلك إشارة إلى أهل الحكم بصفات الجبروت للقسط ، فيرفع أولياءه لكل اعتبار ، ويهين أعداءهم كل إهانة .
ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس ، أتبعه ما اوضحه على وجه بين نصره لهم غاية البيان ، فقال مبدلاً مما قبله : ( يوم لا ينفع الظالمين ( الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها ) معذرتهم ) أي اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميمياً ولو جل - وأنه غير نافعهم لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب
77 ( ) والله ربنا ما كنا مشركين ( ) 7
[ الأنعام : 23 ] أو بالقدر
77 ( ) ربنا غلبت علينا شقوتنا ( ) 7
[ المؤمون : 106 ] ) ولهم ) أي خاصة ) اللعنة ) أي البعد عن كل خير ، مع الإهانة بكل ضير ) ولهم ) أي خاصة ) سوء الدار ( وهي النار الحاوية لكل سوء - هذا مع ما يتقدمها من المواقف الصعبة ، وإذا كان هذا لهم فما ظنك بما هو عليهم ، وقد علم من هذا أن لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - الكرامة والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن الدار ، فظهرت بذلك أعلام النصرة ، وصح ما أخبر به من تمام القدرة .
ولما كان التقدير : فلقد نصرنا موسى رسولنا مع إبراق فرعون وإرعاده ، عطف عليه قوله دالاً على الكرامة والرحمة ، مؤكداً لإزالة ما استقر في النفوس من أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء : ( ولقد آتينا ) أي بما لنا من العزة ) موسى الهدى ) أي في الدين اللازم منه أن يكون له العاقبة وإن تناهت ضخامة من يعانده ، لأنه ضال عن الهدى ، والضال هالك وإن طال المدى ، وذلك بما آتيناه من النبوة والكتاب .
ولما كانت النبوة خاصة والكتاب عاماً قال : ( وأورثنا ) أي بعظمتنا ) بني إسرائيل ( بعد ما كانوا فيه من الذل ) الكتاب ) أي الذي أنزلنا عليه وآتيناه الهدى به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد ، ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم ، حال كونه ) هدى ) أي بياناً عاماً لكل من تبعه ) وذكرى ) أي عظة عظيمة ) لأولي الألباب ) أي القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية ، فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب إشارة إلى أنهم من جنى ثمرته فاهتدي ، ومنهم من صل ، وذلك تحذير للاتباع ، وتشريف للأنبياء بما نالوه من مراتب الارتفاع .

الصفحة 524