كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 53
سلاسة ) أي من شيء مسلول ، أي منتزع منه ) من ماء مهين ) أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول ، فعيل بمعنى مفعول ، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله : ( ثم سواه ) أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني ) ونفخ فيه من روحه ( الروح ما يمتاز به الحي من الميت ، الإضافة للتشريف ، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله .
ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم ، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم وانتفاعهم ، لفت إليهم الخطاب قائلاً : ( وجعل ) أي بما ركب في البدن من الأسباب ) لكم السمع ) أي تدركون به المعاني المصوته ، ووحده لقلة التفاوت فيه إذا كان سالماً ) والأبصار ( تدركون بها المعاني والأعيان القابلة ، ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة ، وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر .
ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور ، وأما العقل فإنما يحصل بالتدريج فلذا أخر محله فقال : ( والأفئدة ) أي المضغ الحارة المتوقدة المحترفة ، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أيّ تباين ؟ قال الرازي في اللوامع : جعله - أي الإنسان - مركباً من روحاني وجسماني ، وعلوي وسفلي ، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده ، واستجمع الكونين يعقله وحسه ، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحياً قولياً ، وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر تسليماً اختيارياً طوعياً .
ولما لم يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال : ( قليلاً ما تشكرون ) أي وكثيراً ما تكفرون .
ولما كانوا قد قالوا : محمد ليس برسول ، والإله ليس بواحد ، والبعث ليس بممكن ، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب ، ثم على الوحداينة بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم ، وختم بالتعجيب من كفرهم ، وكان استبعادهم للبعث - الذي هو الأصل الثالث - من أعظم كفرهم ، قال معجباً منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله : ( أم يقولون افتراه ( ، لافتاً عنهم الخطاب إيذاناً بالغضب من قولهم : ( وقالوا ( منكرين لما ركز في الفطر الأُوَل ، ونبهت عليه الرسل ، فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة : ( أإذا ) أي أنبعث إذا ) ضللنا ) أي ذهبنا وبطلنا وغبنا ) في الأرض ( بصيرورتنا تراباً مثل ترابها ، لا يتميز بعضه من بعض : قال أبو حيان تبعاً للبغوي والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم : وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب .
ثم كرروا الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا : ( إنا لفي خلق جديد ( هو محيط بنا ونحن مظروفون له .
ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة ، وكانوا يقرون بما يازمهم منه الإقرار

الصفحة 53