كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 538
نظرهم لأنفسهم بانياً للمفعول لأن المنكئ هذا القول مطلقاً لا لكونه من قائل معين : ( ثم قيل لهم ) أي بعد أن طال عذابهم ، وبلغ منهم كل مبلغ ، ولم يجدوا ناصراً يخلصهم ولا شافعاً يخصصهم : ( أين ( والتعبير عنهم بأداة ما لا يعقل في أحكم مواضعه في قوله : ( ما كنتم ) أي دائماً ) تشركون ) أي بدعائكم لهم في مهماتكم دعاء عبادة مع تجديده في كل وقت ؛ ثم بين سفولهم بقوله لافتاً القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه فقال : ( من دون الله ) أي المحيط بجميع العز وكل العظمة ، لتطلبوا منهم تخليصكم مما أنتم فيه أو تخفيفه : ( قالوا ) أي مسترسلين مع الفطرة وهي الفطرة الأولى على الصدق : ( ضلوا عنا ( فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا عما ينفعنا .
ولما رأوا أن صدقهم قد أوجب اعترافهم بالشرك ، دعتهم رداءة المكر ورذالة الطباع إلى الكذب ، فاسترسلوا معها فبادروا أن أظهروا الغلظ فقالوا ملبسين على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ظانين أن ذلك ينفعهم كما كان ينفعهم عند المؤمنين في دار الدنيا : ( بل لم نكن ندعو ) أي لم يكن ذلك في طباعنا .
ولما كان مرادهم نفي دعائهم أصلاً ورأساً في لحظة فما فوقها ، لا النفي المقيد بالاستغراق ، فإنه لا ينفي ما دونه ، أثبتوا الجار فقالوا : ( من قبل ) أي قبرل هذه الإعادة ) شيئاً ( لنكون قد أشركنا به ، فلا يقدرهم بعضاً بحيث لا يزالون في ندم كما كان حالهم في الدنيا
77 ( ) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( ) 7
[ الأنعام : 24 ] فالآية من الاحتباك : ذكر الإشراك أولاً دليلاً على نفيهم له ثانياً ، والدعاء ثانياً دليلاً على تقديره أولاً .
ولما كان في غاية الإعجاب من ضلالهم ، كان كأنه قيل : هل يضل أحد من الخلق ضلال هؤلاء ، فأجيب بقوله : ( كذلك ) أي نعم مثل هذا الضلال البعيد عن الصواب ) يضل الله ) أي المحيط علماً وقدرة ، على القصد النافع عن حجة وغيرها ) الكافرين ) أي الذين ستروا مرائي بصائرهم لئلا يتجلى فيها ثم صار لهم ذلك ديدناً .
ولما تم جواب السؤال عن التعجب من هذا الضلال ، رجع إلى خطاب الضلال فقال معظماً لما ذكر من جزائهم بأداة البعد وميم الجمع نصاً على تقريع كل منهم : ( ذلكم ) أي الجزاء العظيم المراتب ، الضخم المواكب ) بما كنتم ) أي دائماً ) تفرحون ) أي تبالغون في السرور وتستغرقون فيه وتضعفون عن حمله للإعراض عن العواقب .
ولما كانت الأرض سجناً ، فهي في الحقيقة دار الأحزان ، حسن قوله : ( في الأرض ) أي ففعلتم فيها ضد ما وضعت له ، وزاد ذلك حسناً قوله :