كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 548
ولما ختمت غافر الكفرة جادلوا في آيات الله بالباطل ، وفرحوا بما عندهم من علم ظاهر الحياة الدنيا ، وأنهم عند البأس انسلخوا عنه وتبرؤوا منه ورجعوا إلى ما جاءت به الرسل فلم يقبل منهم ، فعلم أن كل علم لم ينفع عند الشدة والبأس فليس بعلم ، بل الجهل خير منه ، وكان ذلك شاقاً على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خوفاً من أن يكون آخر أمر أمته الهلاك ، مع الإصرار على الكفر إلى مجيء البأس ، وأن يكون أغلب أحواله ( صلى الله عليه وسلم ) النذارة ، افتتح سبحانه هذه السورة بأن هذا القرآن رحمة لمن كان له علم وله قوة توجب له القيام فيما ينفعه ، وكرر الوصف بالرحمة في صفة العموم وصفة الخصوص إشارة إلى أن أكثر الأمة مرحوم ، وأعلم أن الكتاب فصل تفصيلاً وبين تبييناً لا يضره جدال مجال ، وكيد مماحك مماحل ، وأنه مغن بعجز الخلق عنه عن اقتراح الآيات فقال مخبراً عن مبتدأ : ( تنزيل ) أي بحسب التدريج عظيم ) من الرحمن ) أي الذي له الرحمة العامة للكافر والمؤمن بإنزال الكتب وإرسال الرسل ) الرحيم ) أي الذي يخص رحمته بالمؤمنين بإلزامهم ما يرضيه عنهم .
ولما تشوف السامع إلى بيان هذا التنزيل المفرق بالتدريج ، بين أنه مع ذلك حاوٍ لكل خير فقال مبدلاً من تنزيل : ( كتاب ) أي جامع قاطع غالب .
ولما كان الجمع ربما أدى إلى اللبس قال : ( فصلت ) أي تفصيل الجوهر ) آياته ) أي بينت بياناً شافياً في اللفظ والمعنى مع كونها مفصلة إلى أنواع من المعاني ، وإلى مقاطع وغايات ترقى جلائل المعاني إلى أعلى النهايات ، حال كونه ) قرآناً ) أي جامعاً مع التفصيل ، وهو مع الجمع محفوظ بما تؤديه مادة ( قرا ) من معنى الإمساك ، وهو مع جمع اللفظ وضبطه وحفظه وربطه منشور اللواء منتشر المعاني لا إلى حد ، ولا نهاية وعد ، بل كلما دقق النظر جل المفهوم ، ولذلك قال تعالى : ( عربياً ( لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة ، وأعمقها عمقاً وأغمرها باحة ، وأرفعها بناء وأفصحها لفظاً ، وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعاً ، قال الحرالي : وهو قرأن لجمعه ، فرقان لتفصيله ، ذكر لتنبيهه على ما في الفطر والجبلات ، وجوده حكيم لإنبائه الاقتضاءات الحكمية ، مجيد لإقامته قسطاس العدل ، عربي لبيانه عم كل شيء ، كما قال تعالى في سوره أحسن القصص ، وتفصيل كل شيء مبين لمحوه الكفر بما أبان من إحاطة أمر الله ، محفوظ لإحاطته حيث لم يختص فيقبل العدول عن سنن .
ولما كان لا يظهر إلا لمن له قابلية ذلك ، وأدمن اللزوم ذلاً للأعتاب ، والقرع خضوعاً وحباً للأبواب ، قال معلقاً ب ( فصلت أو تنزيل ) أو ( الرحمن الرحيم ) : ( لقوم ) أي ناس فيهم قوة الإدراك لما يحاولونه ) يعملون ) أي فيهم قابلية العلم وتجدد الفهم

الصفحة 548