كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 55
فعطف عليه قوله : ( ثم إلى ربكم ) أي الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ابتداء ، لا إلى غيره ، بعد إعادتكم ) ترجعون ( بأن يبعثكم كنفس واحدة فإذا أنتم بين يديه ، فيتم إحسانه وربويته بأن يجازي كلاًّ بما فعل ، كما هو دأب الملوك مع عبيدهم ، لا يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملاً .
ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس ، شرع يقص بعض أحوالهم عند ذلك ، فقال عادلاً عن خطابهم استهانة بهم وإيذاناً بالغضب ، وخطاباً للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) تسلية له ، أو لكل من يصح خطابه ، عاطفاً على ما تقديره : فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور ، وحصل ما في الصدور ، وهناك أمور أيّ أمور ، موقعاً المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي ، لأنه لتحقق وقوعه كأن قد كان ، واختير التعبير به لترويح النفس بترقب رؤيته حال سماعه ، تعجيلاً للسرور بترقب المحذور لأهل الشرور : ( ولو ترى ) أي تكون أيها الرائي من أهل الرؤية لترى حال المجرمين ) إذ المجرمون ) أي القاطعون لما أمر الله به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ربهم ) ناكسوا رؤوسهم ) أي مطأطئوها خجلاً وخوفاً وخزياً وذلاً في محل المناقشة ) عند ربهم ( المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم ، قائلين بغاية الذل والرقة : ( ربنا ) أي أيها المحسن إلينا ) أبصرنا ( ما كما نكذب به ) وسمعنا ) أي منك ومن ملائكتك ومن أصوات النيران وغير ذلك ما كنا نستبعده ، فصرنا على غاية العلم بتمام قدرتك وصدق وعودك ) فارجعنا ( بما لك من هذه الصفة المقتضية للإحستان ، إلى دار الأعمال ) نعمل صالحاً ( ثم حققوا هذا الوعد بقولهم على سبيل التعليل مؤكدين لأن حالهم كان حال الشاك الذي يتوقف المخاطب في إيقانه : ( إنا مؤقنون ) أي ثابت لرأيت أمراً لا يحتمله من هوله وعظمه عقل ، ولا يحيط به وصف .
ولما ذكر لهم جواباً ، علم أنه لهوانهم ، لأنه ما جرأهم على العصيان إلا وصفة الإحسان ، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان ، ولأن الإيمان لا يصح إلا بالغيب قبل العيان .
ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلااهم مع الإمعان في البيان ، لعجز عن هدايتهم أو توان ، قال عاطفاً على ما تقديره : إني لا أردكم لأني لم أضلكم في الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها ، بل لأني لم أرد إسعادكم ، ولو شءت لهديتكم ، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها : ( ولو شئنا ) أي بما لنا من العظمة التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ملكنا ما لا نريد ) لأتينا كل نفس ) أي مكلفة لأن الكلام

الصفحة 55