كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 552
وبين خصمه ، فيكون حينئذ كل فريق محبوساً بحجابة لا يقدر على عمل فينا في ما بعده أو يكون بينهما اتصال أقله بالإعلام بطرق من أراد من المتباينين الحجاب ، فأفادت ( من ) التبعيض مع إفادة الابتداء ، فإنهم لا يثبتون الحجاب في غير أمور الدين .
ولما أخبروا باعراضهم وعللوا بعدم فهمهم بما يدعو إليه ، أمره سبحانه بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال : ( قل ) أي لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ما ينادي عليهم بالعجز : ( إنما أنا بشر مثلكم ( لا غير بشر مما لا يرى ، والبشر يرى بعضه بعضاً ويسمعه ويبصره فقولكم أنه لا وصول لكم إلى رؤيتي ولا إدراك شيء مما أقول مما لا وجه له أصلاً .
ولما كان ادعاؤهم لعدم المواصلة بينهم قد تضمن شيئين : أحدهما فيه ، والآخر فيما يدعو إليه ، ونقض الأول ، قال في الثاني : ( يوحى إليّ ) أي بطريق يخفى عليكم ) إنما إلهكم ) أي الذي يستحق العبادة ) إله واحد ( لا غير واحد ، وهذا مما دلت عليه الطرق النقلية ، وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورات النفسانية ، أي لست مغايراً للبشر ممن يخفى عليكم شخصه كالملك ، ولا يعجم عليهم مراده بصوته كسائر الحيوانات ، ومع كوني بشراً فلست بمغاير لكم في الصنف بكوني أعجمياً ، بل أنا مثلكم سواء في كوني عربياً ، ومع ذلك كله فأصل ما أوحي إلي ليس معبراً عنه بجمل طوال تمل أو تنسى ، أو يشكل فهمها ، وإنما هو حرف واحد وهو التوحيد ، فلا عذر لكم أصلاً في عدم فهمه ولا سماعه ولا رؤية قائله .
ولما قطع حجتهم وأزال علتهم ، سبب عن ذلك قوله : ( فاستقيموا ) أي اطلبوا واقصدوا وأوجدوا القوام متوجهين وإن كان في غاية البعد عنكم ) إليه ( غير معرجين أصلاً على نوع شرك بشفيع ولا غيره .
ولما كان أعظم المراد من الوحي العلم والعمل ، وكان رأس العلم التوحيد فعرفه وأمر بالاستقامة فيه ، أتبعه رأس العمل وهو ما أنبأ عن الاعتراف بالعجز مع الاجتهاد فقال : ( واستغفروه ) أي اطلبوا منه غفران ذنوبكم ، وهو محوها عيناً وأثراً حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها ، والإقلاع عنها حالاً ومآلاً .
واما أمر بالخير ، رغب فيه ووهب من ضده ، فكان التقدير للترغيب : فالفلاح والفوز لمن فعل ذلك ، فعطف عليه ما السياق له فقال : ( وويل ) أي وسواة وهلاك ) للمشركين ( .
فصلت : ( 7 - 12 ) الذين لا يؤتون. .. . .
) الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ