كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 564
كان في مقام الترهيب ، وكان التفصيل أهول قال : ( سمعهم ( أفرده لتقارب الناس فيه ) وأبصارهم ( جمع لعظم التفاوت فيها ) وجلودهم بما ( وأثبت الكون بياناً لأنهم كانوا مطبوعين على ما أوجب لهم النار من الأوزار فقال : ( كانوا يعملون ) أي يجددون عمله مستمرين عليه ، فكأن هذه الأعضاء تقول في ذلك الحين إقامة للحجة البالغة : أيها الأكوان والحاضرون من الإنس والملائكة والجان ، اعلموا أن صاحبي كان يعمل بي كذا وكذا مع الإصرار ، فاستحق بذلك النار ، وغضب الجبار - ثم يقذف به .
ولما أخبر بهذا الذي يفتت الحجارة لو علقت ساعة ما ، أخبر أنه لم يفدهم الرجوع عن طبعهم الجافي وبلادتهم الكثيفة ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فلم تفدهم هذه الشهادة خجلاً من الله ولا خضوعاً في أنفسهم ولا رجوعاً عن الجدال والعناد كما لم يفدهم ذلك مجرد علم الله فيهم : ( وقالوا لجلودهم ( ودخل فيها ما صرح به من منافعها بها لفقد ما يدعو إلى التفصيل .
ولما فعلت فعل العقلاء خاطبوها مخاطبتهم فقالوا : ( لم شهدتم علينا ( .
ولما كان هذا محل عجب منهم ، وكان متضمناً لجهلهم بظنهم أنه كان لها قدرة على السكوت ، وكان سؤالهم عن العلة ليس على حقيقته وإنما المراد به اللوم ، أجيب من تشوف إلى الجواب بقوله معبراً لنطقها بصيغة ما يعقل : ( قالوا ( معتذرين : ( أنطقنا ( قهراً ) الله ( الذي له مجامع العز على وجه لم نقدر على التخلف عنه .
ولما كان حال الكفار دائماً دائراً بين غباوة وعناد ، أقاموا على ذلك دليلن شهوديين فقالوا : ( الذي أنطق كل شيء ) أي فعلاً أو قوة أو حالاً ومقالاً .
ولما كانت الأشياء كلها متساوية الأقدام في الإنطاق والإخراس وغيرهما من كل ما يمكن بالنسبة إلى قدرته سبحانه ، نبهوهم على ذلك بقولهم : ( وهو خلقكم أول مرة ( والعلم القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدماً ثم نطفاً لا تقبل النطق في مجاري العادات بوجه ، ثم طوركم في أدوار الأطوار إلى أن أوصلكم إلى حيز الإدراك ، فقسركم على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن أنفسكم ما قدرتم .
ولما كان الخلق شيئاً واحداً فعبر عنه بالماضي وكان الرجوع تارة بالحس وتارة بالمعنى وكان الذي بالمعنى كثير التعدد بكثرة التجدد قال : ( وإليه ) أي إلى غيره ) ترجعون ) أي في كل حين بقسركم بأيسر أمر على كل ما يريد من أول ما خلقتم إلى ما لا نهاية له ، فلو كان لكم نوع علم لكفاكم ذلك واعظاً في الدنيا تعلمون به أنكم في غاية العجز ، وأن له العظمة والكبر والقدرة والقهر ، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال : كنا عند